الشبكة العربية للأنباء

لماذا ينتظر العرب دائماً الإدارات الأميركية ؟

2020/12/15 الساعة 09:57 مساءً

سألني صديق دبلوماسي عربي مقيم في الولايات المتحدة: لماذا ترتبك الحسابات لدى العرب مع كل انتخابات أميركية ؟!


فأجبته بسؤال: من وجهة نظرك... كيف يخرج العرب من هذه الحالة التي تتحدث عنها؟!
صمت قليلاً ليتحدث عن نفس النقطة التاريخية التي لم تكتمل دائماً، وهي مشروع العمل العربي المشترك الذي يتعرض على مدار العقود الأخيرة لتصدعات، وضغوط، وتحديات حالت دون تفعيل الدور المنوط بهذا المشروع العربي المشترك.


هنا تقودني الدردشة مع الصديق الدبلوماسي إلى الكتابة عن هذا المشروع الذي صار وجوده ونجاحه أمراً ملحاً وضاغطاً ومطلوباً، بل إنه بات الحلم المشترك للأجيال القديمة والحديثة. ولكي نصوغ مساراً جديداً للعمل العربي المشترك ينبغي علينا التوقف أمام مجموعة من المحددات التي تقود قطار هذا المشروع إلى غايته، يأتي في مقدمة هذه المحددات ما يلي:
ضرورة أن يتحلى الإقليم العربي بالمبادرة لا «ردّات الفعل». فعلى سبيل المثال ليست لدى الإدارة الأميركية الجديدة خطط مفصّلة للتعامل مع الملفات العربية، فمن يقرأ تفاصيل البرنامج الانتخابي للحزب الديمقراطي الأميركي المكون من 180 صفحة يكتشف عدم وجود تفاصيل تتعلق بالقضايا العربية، وأن كل ما هنالك بمثابة خطوط عريضة يمكن للدول العربية أن تؤثر فيها وتغيِّر منها، وبالتالي تأتي ضرورة المبادرة والمبادأة لتأكيد الوجود والحضور العربي الذي يقوم على استقلالية الموقف والقرار، ويعطي رسالة لأميركا والعالم أجمع بأن هناك وحدة ومشروع عمل مشترك وتصوراً مستقبلياً يتطلب الحذر من القوى الدولية المختلفة عند التعامل مع العالم العربي، أما في حالة انتظار أن تأتي الأفكار والمبادرات من الأطراف الأخرى، فهذا من شأنه جعل العرب يجلسون في مقاعد «رد الفعل»، وبالتالي يكون سهلاً ضياع الحقوق العربية، وإتاحة الفرصة للأطراف الأخرى للتلاعب بالقضايا العربية، وتصبح قضايا المنطقة رهينة لسياسة الآخرين.


هذا التشريح لحال المنطقة الذي نتحدث عنه يتطلب، وبأقصى سرعة، صياغة تصورات عربية متفق عليها لتكون البوصلة في اتجاه القضايا العربية في أثناء التفاوض مع القوى الدولية والعالمية، وعلى سبيل المثال نجد ضرورة الدعم العربي للمملكة العربية السعودية في أن يكون هناك ممثل عربي لها خلال المفاوضات بين إيران والمجتمع الدولي حول البرنامج النووي الإيراني، والمتوقع أن تبدأ مع إدارة الرئيس المنتخب جو بايدن في العام المقبل.
هذا المشروع العربي يتطلب أيضاً من جميع الدول والشعوب العربية أن تتحلى بمبدأ السموّ والتخلّي عن الأنانية السياسية، وتوافر الإرادة الاستراتيجية الوطنية، والإيمان بأن الأمن القومي العربي وحدة واحدة لا تتجزأ، وأن الإضرار بدولة عربية يعني الإضرار الكامل بالأمن القومي العربي، الأمر الذي يدفعنا إلى إعادة النظر في الفرص الضائعة على الأمة العربية، حتى لا يستمر نزيف سداد الفواتير الباهظة، والعمل على تجنب الفوضى والتخريب والدمار الذي لحق بالعواصم العربية منذ ما يسمى الربيع العربي، ففي غياب السمو السياسي سيصبح الجميع خاسراً.


من بين المسارات التي يجب التوقف أمامها والعمل عليها لإنجاح هذا المشروع هو البحث عن «المشتركات» لا النقاط الخلافية، سيما أن عالم اليوم لا يوجد فيه تطابق سياسي كامل بين الدول، بل نحن نأمل في التمسك قدر الإمكان بضبط مساحات الاختلاف والاتفاق، وهذا هو نمط العلاقات الإقليمية في الوقت الراهن، وعلينا النظر مثلاً إلى نمط العلاقة والتحالف ما بين فرنسا والولايات المتحدة ، فنجد مساحات اختلاف كبيرة لكنها لا تلغي الشراكة الفرنسية الأميركية في كثير من الملفات والقضايا، وهذا نموذج يمكن البناء عليه في العلاقات العربية العربية.


أيضاً من المرتكزات الرئيسية في بناء مشروع العمل العربي المشترك الاتفاق على مبدأ رفض التدخلات الإقليمية في الشأن العربي مهما كان مصدرها أو محركها، فهذا المبدأ تحتاج إليه كل الدول العربية، وبخاصة التي تعاني من التدخلات الخارجية سواء كانت التدخلات التركية أو الإيرانية.


كل هذه المسارات المقترحة ينبغي أن تصبّ في مفهوم بناء الدولة الوطنية والحفاظ عليها، ففي حالة غياب هذا المفهوم تصبح المسارات أشبه بمن يحرث في البحر، فترسيخ وطنية الدولة العربية هو العمود الفقري لبناء نظام إقليمي عربي قادر وفاعل على مواجهة التحديات الداخلية، والتدخلات الإقليمية، فمن يقرأ مجريات الأحداث في المنطقة العربية خلال السنوات العشر الماضية يتأكد أن التدخلات الإقليمية والخارجية استهدفت في المقام الأول مؤسسات الدولة الوطنية، وعملت على هدمها فكرياً وثقافياً وسياسياً، بل إنها لعبت على عقول الشعوب لتحقيق فكرة الاغتراب الوطني والعربي، وهذا ليس بعيداً عما يدور الآن من حملات التشويه والتشكيك والسخرية من المؤسسات والرموز العربية، وبالتالي فإن الحفاظ على فكرة الدولة الوطنية يمثل «نخاع البقاء» لهذه الأمة العربية.


وسط هذه المسارات لا بد من الانتباه لمسار غاية في الأهمية متعلق بضرورة البدء بالاقتصاد لا السياسة، فإذا عددنا أن السياسة باب قابل للاختلاف وتباين وجهات النظر، فإن الاقتصاد يشكِّل عصب البناء العربي المشترك، بل إنه بمثابة «أكسجين» استمرار العلاقات والمصالح التي تربط الشعوب العربية بعضها ببعض، فالعمل على تعميق الشراكات الاقتصادية والصناعية المشتركة، وزيادة التجارة البينية، وخلق كيانات عربية عملاقة، من شأن كل ذلك تحقيق الاكتفاء والاستقرار ومن ثمّ استقلالية القرار... وهنا ربما نجد الإجابة لسؤال صديقي الدبلوماسي العربي المقيم في الولايات المتحدة.