الشبكة العربية للأنباء
الرئيسية - أخبار العالم - ليست كل الصواعق قاتلة.. شجرة تتحدى البرق وتكشف سراً علمياً مذهلاً

ليست كل الصواعق قاتلة.. شجرة تتحدى البرق وتكشف سراً علمياً مذهلاً

الساعة 03:59 مساءً

 

 

 

 

في مفارقة علمية لافتة، كشفت دراسات حديثة أن بعض الأشجار الاستوائية لا تتأثر بضربات البرق كما هو متوقع، بل تتعامل معها بطريقة تمنحها أفضلية غير مباشرة داخل الغابة. وتبرز شجرة ديبتريكس أوليفيرا بشكل خاص في هذا السياق، إذ أظهرت قدرة استثنائية على النجاة من الصواعق مقارنة بغيرها من الأنواع، ما دفع العلماء إلى إعادة النظر في دور البرق داخل النظم البيئية.

فبدل أن يكون البرق مجرد قوة تدميرية، تشير النتائج إلى أنه قد يتحول في بعض الحالات إلى عامل يخفف المنافسة حول الشجرة المصابة، عبر القضاء على النباتات المتسلقة والأشجار المجاورة، ما يفتح المجال أمامها للحصول على مزيد من الضوء والغذاء. هذه الظاهرة غير المتوقعة دفعت الباحثين إلى وصفها بأنها سرّ بيئي مذهل قد يغيّر فهمنا لتطور الغابات الاستوائية.

تركّزت الدراسة على شجرة ديبتريكس أوليفيرا، وهي من الأشجار الاستوائية العملاقة التي تنمو في بنما. وعلى الرغم من أن ضربات البرق تؤدي عادةً إلى تدمير النباتات المحيطة بها، فإن هذه الشجرة غالبًا ما تبقى قائمة مع أضرار طفيفة، بينما تتعرض الأشجار المنافسة والكروم المتسلقة المعروفة بـ"الليانا" لموت أو تلف واسع.

ويرجّح الباحثون أن سرّ هذا التميّز يعود إلى خصائصها الفيزيائية، إذ يُعتقد أن خشبها ونسيجها الداخلي أكثر قدرة على توصيل الكهرباء مقارنة بغيرها من الأشجار. هذا يعني أن التيار الكهربائي الناتج عن الصاعقة لا يتراكم داخل أنسجتها بشكل خطير، بل يمر عبرها بسرعة أكبر، مما يقلل من ارتفاع الحرارة وتلف الخلايا الحيوية. وبهذا الشكل، تتجنب الشجرة الضرر القاتل الذي يصيب الأنواع الأخرى.

وبفضل هذا البقاء المتكرر بعد الصواعق، تستفيد ديبتريكس أوليفيرا من إزالة المنافسين حولها، ما يمنحها وصولًا أفضل إلى الضوء والمغذيات، ويرفع قدرتها على إنتاج البذور طوال حياتها بما قد يصل إلى 15 ضعفًا مقارنة بالأشجار التي لا تتعرض لهذه الظاهرة.

وتعود هذه النتائج إلى بيانات فريدة جُمعت من جزيرة بارو كولورادو في بنما، حيث تُعد واحدة من أكثر الغابات الاستوائية مراقبة في العالم، عبر أبراج مزودة بكاميرات وأجهزة لرصد المجال الكهربائي، ما يسمح بتحديد مواقع ضربات البرق بدقة عالية.

ويؤكد العلماء أن تتبع تأثير الصواعق في هذه البيئات الاستوائية يُعد من أكثر التحديات تعقيدا في علم البيئة، لأن الأشجار في الغالب لا تُظهر علامات تدمير فورية كما يحدث في حرائق الغابات، بل تبدو واقفة وسليمة ظاهريا بعد تعرضها للضربة. إلا أن الضرر الحقيقي يكون خفيا وعميقا داخل أنسجة الشجرة، حيث تتأثر الأوعية الداخلية المسؤولة عن نقل الماء والغذاء. ومع مرور الوقت، تبدأ هذه الأضرار في التراكم تدريجيا، فتفقد الشجرة قدرتها على التغذية والنمو، ما يؤدي إلى موتها ببطء خلال أشهر. هذا النمط الصامت من التدهور يجعل رصد تأثير الصواعق بدقة مهمة صعبة للغاية وتتطلب مراقبة طويلة الأمد وتقنيات متقدمة.

وخلال سنوات الدراسة، رصد الباحثون عشرات حالات ضربات البرق على أشجار مختلفة، وتبين أن نحو ربع الأشجار التي تتعرض للصاعقة مباشرة تموت. في المقابل، أظهرت بعض الأنواع قدرة لافتة على الصمود أمام هذا الخطر الطبيعي، وعلى رأسها شجرة ديبتريكس أوليفيرا، التي نجت غالبية عيناتها من ضربات البرق المباشرة، ما جعلها نموذجا فريدا يثير اهتمام العلماء لدراسة أسباب هذا التفوق غير المعتاد في البقاء داخل بيئة شديدة التنافس والتقلب. وتشير الدراسة أيضًا إلى أن التيار الكهربائي قد يمتد إلى الأشجار المجاورة، مسببا أضرارا إضافية، ما يعزز تأثير الصاعقة على النظام البيئي المحيط.

ويرجّح الباحثون أن الخصائص الفيزيائية لهذه الأشجار تلعب دورا مهما في قدرتها على النجاة من ضربات البرق، حيث يُعتقد أن بنيتها تسمح بتوصيل الكهرباء بشكل أفضل مقارنة بغيرها من الأنواع. هذا التوصيل المرتفع يساعد على تمرير التيار الكهربائي بسرعة أكبر عبر الجذع والأغصان بدلًا من احتجازه داخل الأنسجة، ما يقلل من تراكم الحرارة الناتجة عن الصدمة الكهربائية.

ونتيجة لذلك، تتعرض الشجرة لأضرار داخلية أقل في الخلايا الحيوية المسؤولة عن نقل الماء والغذاء. هذه الآلية المحتملة قد تفسر سبب بقاء بعض الأشجار واقفة بعد الصواعق، رغم قوة التيار الهائلة الذي يمر عبرها في لحظة قصيرة جدًا.