الشبكة العربية للأنباء
الرئيسية - تكنولوجيا و صحة - قد يضع حداً لسنوات من الغموض.. اكتشاف سعودي لسبب وراثي وراء وفاة حديثي الولادة

قد يضع حداً لسنوات من الغموض.. اكتشاف سعودي لسبب وراثي وراء وفاة حديثي الولادة

الساعة 07:54 مساءً

 

كشف باحثون من جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية "كاوست" ومستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث (KFSHRC) سبباً وراثياً لم يكن معروفاً من قبل لاضطراب دماغي نادر ومميت يصيب الأطفال حديثي الولادة، في اكتشاف قد يضع حداً لسنوات من الغموض التي أحاطت بحالات لم تتمكن الأسر والأطباء من تفسير أسبابها.

 

 

ويؤثر الاضطراب في نمو الدماغ وتطوره منذ ما قبل الولادة، وقد يتسبب في مشكلات عصبية شديدة تشمل نوبات الصرع، وتأخر النمو، وتشوهات كبيرة في بنية الدماغ، ما يؤدي في بعض الحالات إلى وفاة الأطفال في مراحل مبكرة من حياتهم.

 

وجاء هذا الاكتشاف ثمرة دراسة نُشرت في مجلة "Genome Medicine" العلمية، وشملت خمس أسر لا تربط بينها صلة قرابة من السعودية وأوروبا وأمريكا الشمالية، ظهرت لدى أطفالها أعراض متشابهة. وأسهم الربط بين هذه الحالات في تحديد سبب وراثي مشترك والتعرف على الاضطراب بوصفه مرضاً غير موصوف سابقاً.

 

وقالت البروفيسورة ياسمين ميرزابان، المشاركة في قيادة الدراسة من "كاوست": "قد تخفف معرفة السبب الوراثي النادر لهذا المرض من معاناة الأسر التي أمضت سنوات دون أن تجد تفسيراً لفقدان أطفالها. كما تتيح للأطباء حول العالم التعرف على حالات مماثلة والكشف عن المرض أثناء الحمل باستخدام الفحوص الجينية".

 

وبعد مقارنة حالات الأطفال وإجراء اختبارات مخبرية على الخلايا، اكتشف الباحثون أن المصابين يحملون تغيرات في الجين "VPS25"، المسؤول عن الحفاظ على سلامة الخلايا العصبية. وكشفت التحاليل عن خلل في عمليات حيوية أساسية داخل الخلايا، أدى إلى اضطرابات في الحويصلات الدقيقة التي تنقل المواد والبروتينات الضرورية لحماية الخلايا العصبية والحفاظ على وظائفها.

 

وتقدم هذه النتائج أول دليل علمي يربط بين التغيرات الجينية في "VPS25" وحدوث اضطراب لدى الإنسان، كما تفتح المجال أمام الأطباء لإدراج هذا الجين ضمن الفحوص المستخدمة لتقصي أسباب التشوهات الدماغية مجهولة المنشأ لدى الأطفال.

 

ويسهم الاكتشاف كذلك في تعزيز خدمات الاستشارات الوراثية المقدمة للأسر المتأثرة، وتمكينها من اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن الحمل مستقبلاً، بعد معرفة السبب الجيني الكامن وراء المرض.

 

واعتمد الوصول إلى هذه النتائج على تعاون وثيق بين الأطباء والباحثين؛ إذ تولى أطباء "مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث" متابعة الحالات السريرية وتوثيق أعراضها والبحث عن أسبابها الوراثية، فيما أجرى باحثو "كاوست" الدراسات المخبرية اللازمة لفهم تأثير الطفرات الجينية في الخلايا المصابة. ومن خلال الجمع بين الأدلة السريرية والبيانات العلمية، تمكن الفريق البحثي من رسم صورة أوضح للمرض المكتشف حديثاً.

كما استفاد الباحثون من قواعد البيانات الجينومية لتتبع حالات مماثلة، حيث جرى التعرف على ثلاث من الأسر الخمس المشمولة بالدراسة عبر برامج جينومية في السعودية، قبل ربطها بحالات أخرى في أمريكا الشمالية وأوروبا. وأتاح هذا الربط الكشف عن نمط مشترك كان من الصعب ملاحظته من خلال دراسة كل حالة على حدة.

 

وروت إحدى الأمهات المشاركات في الدراسة، التي فضلت عدم الكشف عن هويتها، أنها لم تحصل على تشخيص لحالة أسرتها إلا بعد نحو عشر سنوات من ظهور المرض للمرة الأولى. وقالت: "كأم، كان من المؤلم جداً أن أشاهد طفلتي تعاني دون أن أعرف السبب. وكنت ألوم نفسي كثيراً وأحمّل نفسي مسؤولية ما حدث. والحمد لله على اكتشاف السبب الآن، فقد منحني ذلك الطمأنينة والأمل في المستقبل".

 

كما قالت أم أخرى إن سنوات من التساؤلات رافقت معاناة ابنها قبل الوصول إلى التشخيص الصحيح، مضيفة: "لن أنسى أبداً المرة الأولى التي رأيت فيها ابني بين ذراعي مزرق الوجه ولا يستطيع التنفس. لم أكن أعلم أن ذلك ناجم عن اضطراب جيني، وأنا على يقين من أن هذا البحث سيفيد عدداً من الأطفال وسيمنح أسرهم إجابات طال انتظارها".

 

من جانبه، قال البروفيسور فوزان الكريع، الذي قاد الجانب المتعلق بالوراثة السريرية في الدراسة: "عندما يكون المرض بهذه الندرة، قد لا تكفي دراسة أسرة واحدة لفهم أسبابه. وقد مكننا الجمع بين الخبرة السريرية والبيانات الجينومية من السعودية وربطها بحالات من دول أخرى من اكتشاف نمط لم يكن واضحاً من قبل".

 

ويأمل الباحثون أن يساعد هذا الاكتشاف الأسر حول العالم التي يعاني أطفالها من الاضطراب ذاته على الوصول إلى تشخيص دقيق يفسر حالتهم، وأن يسهم في توسيع المعرفة العلمية حول تأثير التغيرات في جين "VPS25" خلال المراحل المبكرة من نمو الدماغ وتطوره، بما يدعم تطوير أدوات تشخيصية أكثر فاعلية في المستقبل.