تتجه الولايات المتحدة إلى تطوير جيل جديد من الصواريخ الفرط صوتية، في محاولة لتعزيز قدرتها على اختراق شبكات الدفاع الجوي المتطورة والوصول إلى أهداف في عمق أراضي الخصوم، في وقت ترى فيه واشنطن أن أنظمة الرادارات والصواريخ والطائرات المقاتلة المتقدمة باتت تشكل تحديًا متزايدًا لأسلحة الضربات بعيدة المدى.
فقد أطلقت وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة «داربا» التابعة لوزارة الحرب الأميركية طلبًا للحصول على معلومات بشأن تطوير ما تسميه «صاروخ كروز فرط صوتي من الجيل التالي»، على أن يحلق بسرعة تتجاوز خمسة أضعاف سرعة الصوت، ويستخدم الهواء الموجود في الغلاف الجوي لتوفير الأكسجين اللازم لعملية الاحتراق بدلًا من حمل الأكسجين معه كما تفعل الصواريخ التقليدية، وفق ما أورده موقع "جلوبال ديفنس كورب".
طلب أفكار جديدة
وأصدرت «داربا» طلب المعلومات في 7 أغسطس/آب، ومنحت الشركات والجهات المهتمة مهلة حتى 6 أكتوبر/تشرين الأول للرد، موضحة أن الطلب لا يمثل عقدًا أو ضمانًا للحصول على تمويل، وإنما يهدف إلى جمع الأفكار من الشركات والجامعات والمختبرات الحكومية قبل اتخاذ قرار بشأن إطلاق برنامج تنافسي كامل.
كما شجعت الوكالة على التعاون بين شركات الدفاع الكبرى، مثل لوكهيد مارتن ورايثيون، والشركات الأصغر التي لا تعمل عادةً في عقود الأسلحة التابعة للبنتاغون، بهدف المساعدة في تحديد المتطلبات الفنية واستراتيجية شراء السلاح المحتمل.
اختراق الدفاعات
وتستند فكرة السلاح الجديد إلى تقييم أميركي بأن دولًا منافسة، أبرزها الصين وروسيا وفق التقرير، طورت شبكات دفاع جوي متكاملة تضم الرادارات وبطاريات الصواريخ والطائرات المقاتلة، بما يزيد قدرتها على اكتشاف الطائرات والصواريخ القادمة واعتراضها قبل وصولها إلى أهدافها.
إذ رأت «داربا» أن بعض مفاهيم الصواريخ الفرط صوتية الحالية حققت تقدمًا تقنيًا، لكنها لا تقدم سوى تحسينات تدريجية، في حين تحتاج الولايات المتحدة إلى قفزة أكبر في القدرات للحفاظ على تفوقها أمام خصم يمتلك دفاعات جوية متطورة. وفق ما نقله موقع "جلوبال ديفنس كورب" استنادًا إلى وثيقة طلب المعلومات الخاصة بـ«داربا». (Global Defense Corp)
إرث برنامج HAWC
ولا يبدأ المشروع من الصفر، إذ يستند إلى خبرة سابقة لـ«داربا» في برنامج HAWC، الذي ركز على تطوير واختبار صاروخ فرط صوتي يعمل بمحرك «سكرامجت». وأتم البرنامج آخر اختبار طيران له في يناير/كانون الثاني 2023، عندما حلّق صاروخ صنعته لوكهيد مارتن بسرعة تجاوزت «ماخ 5» وعلى ارتفاع يزيد على 60 ألف قدم، وقطع أكثر من 300 ميل بحري، وفق إعلان «داربا» الذي أورده التقرير.
وتبع برنامج HAWC مشروع آخر حمل اسم MoHAWC، وواصلت خلاله شركتا رايثيون ونورثروب جرومان اختبار نماذج إضافية بهدف تطوير التصميم وتحسين عملية التصنيع.
تأخر السلاح
لكن تحويل هذه التكنولوجيا إلى سلاح عامل يواجه صعوبات، إذ تأخر برنامج صاروخ الهجوم الكروز الفرط صوتي «HACM» الذي تطوره القوات الجوية الأميركية، كما أن مرحلة اختبارات الطيران تواجه خطر المزيد من التأخير.
وتراجعت القدرة التشغيلية الأولية المقررة لـ«HACM» إلى السنة المالية 2029، متأخرة 18 شهرًا عن الخطط السابقة، فيما ارتفعت تكلفة تطوير البرنامج إلى قرابة ملياري دولار، وفق تقرير مكتب المحاسبة الحكومي الأميركي في يوليو/تموز.
وفي ظل هذه الصعوبات، أعادت القوات الجوية الأميركية أيضًا إحياء برنامج السلاح الفرط صوتي ARRW الذي سبق أن أوقفته، باعتباره خيارًا احتياطيًا في حال استمرار تعثر برنامج «HACM».
تصنيع أسرع
هذا ولا تركز «داربا» في المشروع الجديد على السرعة والقدرة على اختراق الدفاعات فقط، بل تطلب أيضًا تصميم السلاح بحيث يمكن تصنيعه بسرعة وعلى نطاق واسع منذ البداية، بدل تطوير نموذج مكلف ثم التفكير لاحقًا في كيفية إنتاجه بكميات كبيرة.
وتشمل الأفكار المطلوبة تصميم صواريخ بأحجام وطرق إطلاق مختلفة، من صواريخ صغيرة يمكن وضعها داخل حجرة أسلحة مقاتلة إلى نماذج أكبر تطلق من القاذفات أو السفن أو منصات برية، إلى جانب البحث في تقنيات دفع ومواد مقاومة للحرارة وأساليب اختبار جديدة يمكن أن تختصر سنوات من دورة تطوير الأسلحة الفرط صوتية.
ومن المقرر أن تعقد «داربا» يومًا للصناعة في أرلينغتون بولاية فرجينيا خلال سبتمبر/أيلول، لعرض تفاصيل تقنية إضافية وتجميع قائمة بالشركات المهتمة بالمشروع.
أزمة السلاح الأميركي
يأتي التحرك الأميركي لتطوير السلاح الجديد بالتزامن مع ضغوط متزايدة على القاعدة الصناعية الدفاعية الأميركية لإعادة بناء مخزونات الصواريخ والذخائر، بعد الاستهلاك المرتفع خلال الحرب مع إيران، إلى جانب الالتزامات السابقة تجاه أوكرانيا والحلفاء.
وفي 9 أغسطس/آب، طلب البنتاغون من شركات الدفاع الأميركية تسريع إنتاج الأسلحة، بعدما أدى استنزاف مخزونات الذخائر إلى زيادة المخاوف بشأن قدرة الولايات المتحدة على تلبية احتياجات قواتها. وأمهل نائب وزير الدفاع ستيف فينبرج شركات الصناعات الدفاعية 21 يومًا لتقديم خطط لزيادة الإنتاج وتسريع مواعيد التسليم للقدرات الحيوية. وفق ما نقلته وكالة أسوشييتد برس.
وتشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة قد استهلكت أكثر من ألف صاروخ «توماهوك» خلال الحرب مع إيران، بينما يقل معدل إنتاج الصاروخ حاليًا عن 200 صاروخ سنويًا، وتستهدف شركة رايثيون رفع القدرة الإنتاجية إلى أكثر من ألف صاروخ سنويًا.
وبالنسبة إلى صواريخ «باتريوت PAC-3 MSE»، يبلغ معدل الإنتاج الحالي نحو 650 صاروخًا سنويًا، مع خطط لرفع القدرة إلى نحو 2000 صاروخ سنويًا. ويشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن إعادة بناء مخزونات الصواريخ الأميركية ستتطلب سنوات، ما يعكس التحدي الذي تواجهه واشنطن في زيادة الإنتاج بالتوازي مع تطوير أسلحة جديدة، وفق ما ورد بتقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS).