الشبكة العربية للأنباء
الرئيسية - أخبار العالم - 5 دول تتقاسم أدوارها.. من يحقق في لغز طائرة "فلاي دبي"؟

5 دول تتقاسم أدوارها.. من يحقق في لغز طائرة "فلاي دبي"؟

الساعة 05:58 مساءً

 

بينما تتسابق الروايات لتفسير ما جرى على متن رحلة "فلاي دبي" رقم FZ1073 التي كانت متجهة من دبي إلى تل أبيب قبل أن تهبط اضطرارياً في تبوك، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية عن تفاصيل الواقعة نفسها: من هي الدولة التي تملك حق التحقيق؟.. فالطائرة هبطت اضطراريا في السعودية والشركة المشغلة والوجهة التي انطلقت منها إماراتية، ووجهتها كانت إسرائيل، فيما بلد الطيارين عُمان والهند.

 

الإجابة المختصرة هي أن الحديث عن "تحقيق واحد" يقوده طرف واحد قد يكون مضللاً. ففي عالم الطيران المدني يوجد مسار مختلف تماماً عن التحقيقات الجنائية، ولكل دولة دور يحدده القانون الدولي وفق طبيعة الحادثة والمرحلة التي وصلت إليها التحقيقات.

 

تبدأ القصة من السعودية، ليس لأنها وجهة الرحلة أو مالكة الطائرة، بل لأنها الدولة التي انتهت الواقعة داخل نطاقها بعد هبوط الطائرة في مطار تبوك. ووفق قواعد التحقيق في حوادث الطيران المدني، تكون "دولة وقوع الحادثة" هي الجهة المسؤولة عن فتح تحقيق السلامة وقيادته وجمع الأدلة الفنية وتحليل ما حدث داخل الطائرة. ولهذا السبب أعلن المركز الوطني لسلامة النقل السعودي مباشرة فريق التحقيق المختص لمعاينة الواقعة والبدء في جمع البيانات والتسجيلات ذات الصلة.

 

الإمارات أيضا لها دور. فشركة "فلاي دبي" إماراتية والطائرة مسجلة في الإمارات، ما يجعلها شريكاً أصيلاً في التحقيق الفني. ومن حق السلطات تعيين ممثلين معتمدين للمشاركة في التحقيق والحصول على المعلومات الفنية والمساهمة في مراجعة كل ما يتعلق بالطائرة وعمليات التشغيل والطاقم. كما ستصبح السجلات المهنية والتدريبية وأوضاع أفراد الطاقم جزءاً من المواد التي قد يطلبها المحققون خلال عملهم، وفقاً لاتفاقية شيكاغو للطيران المدني الفصل الملحق 13.

 

في المقابل، لا يمنح وجود عدد كبير من الركاب الإسرائيليين أو كون تل أبيب هي الوجهة النهائية للطائرة إسرائيل حق قيادة تحقيق السلامة. غير أن ذلك لا يلغي اهتماماتها الأمنية والقضائية، خصوصاً في ظل التصريحات الإسرائيلية التي وصفت ما حدث بأنه حادث أمني خطير ودفعت الجهات الأمنية في إسرائيل إلى فتح مراجعات موازية وجمع إفادات الركاب الذين كانوا على متن الرحلة.

 

 

أما عُمان والهند فتدخلان إلى المشهد من زاوية مختلفة تماماً. فالتقارير المتداولة تشير إلى أن مساعد الطيار يحمل الجنسية العُمانية بينما يحمل قائد الطائرة الجنسية الهندية. لكن جنسية أفراد الطاقم لا تمنح دولهم حق إدارة التحقيق الفني. ويقتصر دور مسقط ونيودلهي في هذه المرحلة على الجوانب القنصلية والتعاون في تزويد المحققين بأي معلومات قد تُطلب بشأن أفراد الطاقم وخلفياتهم المهنية أو الشخصية إذا رأت جهات التحقيق أن لذلك صلة بالواقعة.

 

حتى الآن يبدو المسار الرئيسي للقضية محصوراً في نطاق "السلامة الجوية". ولهذا السبب تواصل "فلاي دبي" التمسك في بياناتها الرسمية بأن أسباب الحادث ودوافعه لا تزال غير معروفة، داعية إلى تجنب الاستنتاجات المسبقة إلى حين انتهاء التحقيقات. كما أكدت الشركة أن الواقعة بدأت بمشاجرة داخل قمرة القيادة وأن التحقيق الرسمي وحده هو الذي سيحدد ما حدث فعلاً. وأكدت أيضاً أن الدوافع والأسباب الكامنة وراء الحادثة لا تزال مجهولة، داعية إلى تجنب الاستنتاجات المسبقة إلى حين انتهاء الجهات المختصة من جمع الأدلة وتحليل التسجيلات والبيانات الفنية.

 

أسئلة أكثر تعقيداً

غير أن المسألة لا تتوقف عند حدود معرفة من تشاجر مع من، أو من كان سبب الهبوط الاضطراري. فالمحققين سيحاولون الإجابة عن سلسلة أسئلة أكثر تعقيداً: ماذا حدث داخل قمرة القيادة بالدقيقة والثانية؟. ومن كان يسيطر فعلياً على الطائرة أثناء اللحظات الحرجة؟. ومن أدخل رموز الطوارئ التي التقطتها أنظمة المراقبة الجوية؟ وهل كانت المناورات الحادة التي أظهرتها بيانات التتبع نتيجة تصرف متعمد أم محاولة لاستعادة السيطرة على الطائرة؟.

 

ولهذا السبب يكتسب مسجل أصوات قمرة القيادة ومسجل البيانات الفنية أهمية استثنائية. فهذه التسجيلات لا تكشف فقط ما قيل داخل القمرة، بل قد تحدد أيضاً التسلسل الزمني الدقيق للأحداث وتوضح إن كانت الواقعة خلافاً مهنياً تطور إلى اعتداء، أم حادثاً جنائياً ذا أبعاد أكبر. وفي العادة تصبح هذه البيانات المرجع الأكثر موثوقية مقارنة بالروايات المتضاربة الصادرة عن الركاب أو المسؤولين أو وسائل الإعلام في الساعات الأولى بعد أي حادثة جوية.

 

كما أن التحقيق لن يقتصر على ما جرى أثناء الرحلة نفسها. فالمحققون سيعودون إلى الخلف لفحص مسار الطيارين المهني والتدريبي، وسجلات العمل والراحة، والفحوص الطبية الدورية، وأي إشارات أو ملاحظات سابقة ربما تساعد على فهم السياق الذي سبق الحادثة. وهنا يتعاظم الدور الإماراتي باعتبارها دولة المشغل والتسجيل، إذ تمتلك غالبية الوثائق والسجلات المتعلقة بالطائرة وأفراد طاقمها.

 

وفي الوقت نفسه، ستتابع إسرائيل الملف من زاوية مختلفة. فحتى إن لم تكن صاحبة الاختصاص في تحقيق السلامة، فإن وجود عدد كبير من مواطنيها على متن الرحلة، إضافة إلى كون الطائرة كانت في طريقها إلى تل أبيب، يمنح السلطات الإسرائيلية مصلحة مباشرة في فهم ما إذا كان الركاب أو وجهة الطائرة جزءاً من الدافع المحتمل للحادثة. ولذلك بدأت السلطات الإسرائيلية بالفعل جمع إفادات الركاب ومراجعة المعطيات الأمنية المتوافرة لديها.

 

أما إذا انتهت التحقيقات إلى استبعاد أي شبهة جنائية متعمدة، فستظل القضية في إطار سلامة الطيران، وسينصب التركيز على الدروس والإجراءات اللازمة لمنع تكرار مثل هذه الحوادث مستقبلاً. لكن إذا أثبتت الأدلة أن هناك محاولة متعمدة للسيطرة على الطائرة أو تعريضها للخطر أو استهداف من عليها، فإن الملف سيدخل مرحلة مختلفة تماماً، حيث تتقاطع صلاحيات إنفاذ القانون مع قواعد الطيران المدني، وتظهر أدوار إضافية للدول المعنية وفق الاتفاقيات الدولية الخاصة بجرائم الطيران.

 

حتى الآن، لا تزال الحقائق المؤكدة محدودة مقارنة بحجم الاهتمام الذي أثارته الحادثة. المؤكد أن الطائرة غيّرت مسارها، وأرسلت إشارات طوارئ، وهبطت بسلام في تبوك، وأن إصابات وقعت داخل قمرة القيادة. أما كل ما عدا ذلك، من الحديث عن محاولة إسقاط الطائرة أو دوافع أيديولوجية أو عمل إرهابي، فما زال في دائرة الفرضيات التي تنتظر كلمة الفصل من التحقيقات الرسمية.