بطريقة معهودة تتكرر سنوياً، يلفت منفذ جديدة عرعر (شمال السعودية)، وهو الرابط البري بين المملكة والعراق، الأنظار لما يطلق عليه تاريخياً "درب زُبيدة"، الذي كان يشكل مساراً لعبور زوار المشاعر المقدسة القادمين من الجمهورية العراقية.
ويعد درب زُبيدة الذي أنشئ في العصر العباسي، حلقة وصل بين العراق والجزيرة العربية، تحديداً بينها وبين الحرمين الشريفين، في حقبة تاريخية مضت وخلت، ومن ضمن تسمياته أيضاً، كان يطلق عليه اسم "طريق الحج الكوفي"، ويصنف كأحد أهم الدروب التاريخية، باعتباره يندرج ضمن طرق الحج في الجزيرة العربية التي يزيد عمرها عن 1000 عام.
ويعتبر الطريق في الوقت ذاته من أهم طرق التجارة، ما يخوله لأن يكون ضمن المواقع المرشحة للانضمام إلى قائمة اليونسكو للمواقع التاريخية العالمية.
وتعددت طرق الحج في ذلك الزمان، ويبرز من ضمن أشهرها طريق الحاج العراقي، والشامي، والمصري، واليماني، والعماني، وجميعها تؤدي إلى الديار المقدسة، وكثير منها يمر بالطائف (غرب السعودية).
وكان الباحث في مجال الدراسات التاريخية منصور الحارثي، قد أشار في محاضرة نشرتها "العربية.نت" في وقتٍ سابق، إلى أن درب زُبيدة ينقسم إلى قسمين، يلتقيان عن قرب من منطقة عشيرة (65 كيلومتراً شمالي الطائف)، وعلى هذا الدرب عدد من المحطات والبرك، مثل بركة تقع شمال شرقي عشيرة بنحو 150 كيلومتراً، والبركة والمحدثة والخرابة، ويدخل الدرب في أراضي مكة بعد "أوطاس" غرباً.
وربط المسار مدينة الكوفة العراقية بعدد من المحطات داخل الجزيرة العربية وصولاً إلى مكة المكرمة، وبحسب الروايات التاريخية، فقد سُميّ بهذه التسمية نسبة إلى زبيدة بنت جعفر، التي أمرت آنذاك بإنشاء مرافق خدمية، شملت الآبار والبرك ومحطات الاستراحة، لتحقيق خدمة حجاج بيت الله الحرام على امتداد هذا الطريق.
وزبيدة واسمها الحقيقي "أمة الله"، بنت جعفر بن جعفر المنصور، هي كما تروي بعض القصص، كانت أقوى نساء العصر العباسي، نظير زواجها بهارون الرشيد، وحظيت بنفوذ كبير في تلك الحقبة التاريخية.
وخلال العهد السعودي الحديث، مثّل منفذ جديدة عرعر مساراً للقادمين من جمهورية العراق إلى المشاعر المقدسة.
واستقبل المعبر البري خلال الأيام الفائتة طلائع حجاج بيت الله الحرام القادمين من الجمهورية العراقية، في تجسيد لامتداد دور المنطقة في خدمة الحجاج، عبر مسارات برية تربط بين طريق تاريخي وتنظيمٍ حديث.
وتوظف السعودية عدداً من الجهات الرسمية التابعة لها، لتنفيذ عدد من الخدمات التي تشمل إنهاء الإجراءات والتنظيم، إلى جانب تقديم الرعاية الصحية والإرشادية للعابرين، بما يسهم في تسهيل تنقلهم بكل يسر وسهولة.
وتضطلع المديرية العامة للجوازات في المملكة بدور استقبال حجاج بيت الله الحرام لموسم حج كل عام، وتطبق تعليمات من شأنها تسهيل إجراءاتهم، وتعمل على تسخير كافة إمكاناتها لخدمتهم، من خلال دعم منصاتها في المنافذ الدولية (الجوية، والبرية، والبحرية) بأحدث الأجهزة التقنية التي يعمل عليها كوادر بشرية مؤهلة بلغات ضيوف الرحمن.
ولم تغفل السعودية عن خدمة الحجيج في رؤيتها المستقبلية "رؤية المملكة 2030"، إذ أطلقت برنامج "خدمة ضيوف الرحمن"، الذي يرمي لإتاحة الفرصة لأكبر عدد من المسلمين لأداء النسك، والزيارة، والعمل على إثراء وتعميق تجربتهم، عبر رفع مستوى جودة الخدمات المقدمة قبل وبعد زيارة البقاع المقدسة، وتهيئة الحرمين الشريفين، وتحقيق رسالة الإسلام العالمية، وتطوير المواقع التاريخية الإسلامية، بالإضافة إلى عكس الصورة الحضارية للمملكة في خدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن.
ويعزز البرنامج التزام السعودية التاريخي والأصل في خدمة ضيوف الرحمن من الحجاج والمعتمرين، من داخل وخارج المملكة، من خلال تذليل كافة الصعاب، وتقديم تجربة سلسلة تحقق رضا زوار المواقع المقدسة على اختلاف فئاتهم.
ويضع هدفاً استراتيجياً يقوم على رفع مستوى أداء الجهات، لمواكبة تطلعات زوار مكة المكرمة والمدينة المنورة وتحقيق رغباتهم، بأطر تبدأ من بلد المضيف حتى مغادرة المملكة ووصوله إلى وطنه.
ويهدف البرنامج لخلق تجربة روحانية ثرية للحجاج والمعتمرين، نظير ما تكتنزه المملكة من تاريخ إسلامي عريق، يتطلع كافة المسلمين لزيارته والتعرّف عليه، كزيارة المواقع الإسلامية والثقافية، في مكة والمدينة، من مساجد وآثار تحكي أحداثاً تاريخية، للتعريف بالتراث المحلي لتلك المنطقتين.
وخصصت السعودية منصات إلكترونية تعمل على تسهيل الحصول على تأشيرات العمرة، وأسست منصة "نُسك"، ومنصة "التأشيرات"، اللتين تتيحان إصدار التأشيرات والإقامة والمواصلات دون وسيط، بمدة إقامة تصل إلى 90 يوماً.