في اكتشاف علمي حديث، كشف الباحثون أن بعض المناطق البركانية تحت قاع المحيط تعمل وكأنها "مصانع طبيعية" للذهب والمعادن النفيسة. فبدل أن يكون الذهب نتيجة حدث جيولوجي بسيط، تبيّن أنه يتكوّن عبر عمليات معقدة تتكرر في أعماق الوشاح الأرضي، حيث تنصهر الصخور تحت حرارة وضغط هائلين، وتختلط بالماء القادم من الصفائح التكتونية الغارقة.
هذه العملية لا تحدث مرة واحدة، بل تتكرر على مراحل، فتقوم بتركيز المعادن الثقيلة مثل الذهب والنحاس والبلاتين داخل الصهارة قبل أن تصعد تدريجيًا نحو السطح. ومع كل دورة انصهار جديدة، يزداد تركيز هذه المعادن، وكأن الأرض تعيد تنقية كنوزها في أعماقها المظلمة.
وأظهرت الدراسة التي نُشرت في مجلة "كوميونيكيشنز إيرث آند إنفايرومنت" أن الذهب في الجزر البركانية لا يتشكل من خلال حدث واحد معزول، بل من خلال انصهار متكرر وعالي الحرارة للغلاف المائي للأرض.
وتقدم هذه الدراسة، التي قادها عالم الجيولوجيا البحرية الدكتور كريستيان تيم، رؤى جديدة حول كيفية تركز الذهب والمعادن النفيسة الأخرى في الصهارة قبل وصولها إلى السطح بفترة طويلة، مما يشير إلى وجود عملية كيميائية أعمق وأكثر تعقيدًا تحدث في قشرة الأرض.
وجذب الذهب البشر عبر القرون، وكان سببا في الرحلات والاكتشافات وصناعة الثروات في أماكن لم تكن متوقعة. لكن يبقى السؤال، من أين يأتي هذا المعدن الثمين؟ ظلّ الجواب غامضا لفترة طويلة. ومع أن العلماء كانوا يعرفون منذ زمن أن بعض الجزر البركانية، مثل تلك الواقعة قرب جزر كرماديك في نيوزيلندا، تحتوي على كميات غنية من الذهب، إلا أن السبب الحقيقي وراء ذلك ظلّ محل تساؤل: لماذا تتركز هذه المعادن النفيسة هناك تحديدًا؟
يجيب هذا البحث الجديد، بقيادة الدكتور تيم في مركز جيومار هيلمهولتز لأبحاث المحيطات في كيل ، على هذا السؤال. وتشير النتائج، المنشورة في مجلة "كوميونيكيشنز إيرث آند إنفايرومنت" ، إلى أن تراكم الذهب في هذه المناطق ناتج عن عدة عمليات انصهار في الوشاح، وهي عمليات تحدث على أعماق كبيرة تحت قاع المحيط، حيث تنغرز الصفائح المحيطية تحت بعضها البعض. ولا تُعد هذه العملية حدثًا منفردًا، بل هي تركيز تدريجي ومتكرر للذهب مع انصهار الوشاح وإطلاقه للصهارة الغنية بالمعادن.
يقول الدكتور تيم: "عندما قمنا بتحليل هذه العينات، وجدنا أن تركيزات الذهب فيها غالباً ما تكون أعلى بعدة مرات من تركيزات الصهارة المماثلة من سلاسل منتصف المحيط". "وقد أثار هذا السؤال الرئيسي: ما هي العمليات المسؤولة عن هذا الإثراء؟"
يكمن جوهر هذا الاكتشاف في سلوك وشاح الأرض، الذي ينصهر تحت تأثير الحرارة والضغط الشديدين بوجود الماء. هذه العملية أساسية في الأقواس الجزرية البركانية، حيث تلتقي الصفائح المحيطية وتُدفع إحداها أسفل الأخرى في ظاهرة تُعرف بالاندساس. يُخفّض الماء المتدفق من الصفيحة المندسة درجة انصهار الوشاح، مما يسمح له بالانصهار عند درجات حرارة أعلى بكثير.
لكن الماء وحده ليس كل شيء. يؤكد بحث الدكتور تيم أن مفتاح إثراء الذهب لا يكمن فقط في إدخال الماء إلى الوشاح، بل في درجة انصهار الوشاح بمرور الوقت.
يقول تيم: "افترضنا في البداية أن المياه المنطلقة من منطقة الاندساس تتحكم بشكل مباشر في تركيز الذهب. ومع ذلك، تُظهر بياناتنا أن المياه تُسهّل بشكل أساسي انصهار الوشاح. والعامل الرئيسي لتركيزات الذهب العالية هو درجة الانصهار العالية والمتكررة جزئيًا".
مع تعرض الوشاح للانصهار المتكرر، يزداد تركيز الذهب والمعادن الأخرى المحبة للكبريت، مثل النحاس والبلاتين، في الصهارة الناتجة. وبمرور الوقت، تصعد هذه المعادن إلى السطح، مغذية النشاط البركاني الذي يميز الأقواس الجزرية.
لكشف تفاصيل عملية الانصهار متعددة المراحل هذه، فحص الفريق 66 عينة من الزجاج البركاني جُمعت من قاع البحر قرب جزر كرماديك. يتشكل هذا الزجاج عندما تبرد الحمم البركانية بسرعة تحت الماء، ويحافظ على التركيب الكيميائي للصهارة قبل أن تتبلور. وكانت بعض العينات الأكثر إفادةً ما أطلق عليه الباحثون اسم "الزجاج البدائي"، والذي يمثل الصهارة قبل أن تتغير بفعل التبريد.
اكتشف الفريق أن هذه الزجاجيات البدائية تحتوي على تركيزات من الذهب أعلى بكثير من تلك الموجودة في الصخور البركانية المماثلة من سلاسل منتصف المحيط. وقد قدم هذا الاكتشاف دليلاً قوياً على أن الوشاح، في هذه الأقواس الجزرية البركانية، يخضع لنوع فريد من الانصهار يُثري الصهارة بالذهب.
دورة حياة الذهب
تمثل نتائج الدراسة الخطوة الأولى في فهم دورة حياة الذهب بالكامل. وكما يوضح الدكتور تيم، تبدأ رحلة الذهب في أعماق الوشاح، قبل وقت طويل من وصوله إلى السطح.
ويختتم حديثه قائلاً: "إننا في الواقع ننظر إلى الخطوة الأولى في دورة حياة الذهب. تبدأ هذه الدورة بانتقال الذهب من الوشاح إلى منصهر يشكل في نهاية المطاف البراكين. تبدأ عملية التحول قبل وقت طويل من وصول المعدن إلى السطح."
تشير الأبحاث إلى أن هذه العملية تساهم في تكوين رواسب غنية بالذهب ليس فقط في الجزر القوسية، بل وربما في الأنظمة الحرارية المائية المرتبطة بمناطق الاندساس. وقد تكون هذه الأنظمة، التي تتشكل عند تفاعل الصهارة مع المياه تحت قاع المحيط، مواقع رئيسية لتكوين رواسب ذهب مجدية اقتصادياً في المستقبل.
لا يقتصر هذا الاكتشاف على كشف لغز أصل الذهب فحسب، بل قد يكون له آثار أوسع نطاقًا على فهم تكوين رواسب الذهب في مناطق مختلفة حول العالم. فعلى سبيل المثال، غالبًا ما تتشكل رواسب الكبريتيدات الحرارية المائية، المعروفة باحتوائها على تركيزات عالية من الذهب، في مناطق الاندساس نفسها التي تحدث فيها هذه العمليات.
يوضح الدكتور تيم قائلاً: "لقد حددنا آلية يمكن أن تساهم في ارتفاع محتوى الذهب الملاحظ في الأنظمة الحرارية المائية في مناطق الاندساس. ومع ذلك، لا يزال هذا الرابط بحاجة إلى مزيد من البحث".