
قبل أيام من انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر (تشرين الأول)، تتصاعد حدة التوتر السياسي في إسرائيل، مع عودة الاحتجاجات المناهضة للحكومة إلى الشوارع، بالتزامن مع أزمة تجنيد الحريديم التي تهدد بتوسيع الخلافات داخل معسكر اليمين. وبينما يضع بنيامين نتنياهو الأمن والدفاع عن إسرائيل في صدارة خطابه السياسي، تتزايد الضغوط الداخلية بشأن أداء حكومته، والمحاسبة عن إخفاقات 7 أكتوبر، والإعفاءات من الخدمة العسكرية.
مطالب بالتغيير والمحاسبة
ففي قلب تل أبيب، تجمع متظاهرون، مساء أمس السبت، احتجاجًا على سياسات حكومة نتنياهو، مطالبين بتغيير سياسي ومحاسبة المسؤولين، في تحرك يأتي قبل أيام من توجه الإسرائيليين إلى صناديق الاقتراع. ولم يقتصر المشهد على معارضي الحكومة، إذ شهدت المدينة تجمعًا أصغر احتجاجًا على عنف المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، مع مطالب بوقف الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عنها، وفقًا لرويترز.
7 أكتوبر يعود إلى الواجهة
وجاءت مطالب المتظاهرين في تل أبيب بتشكيل لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر ، وهذه الأزمة تعتبر من أبرز الملفات التي تواجه حكومة نتنياهو قبل انتخابات الكنيست. ويتمحور الخلاف حول الجهة التي ستتولى التحقيق وصلاحياتها.
إذ تتمسك قوى المعارضة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة في إخفاقات 7 أكتوبر، يتولى رئيس المحكمة العليا اختيار أعضائها وفقًا للآلية القانونية المعمول بها، بما يضمن استقلال التحقيق واتساع صلاحياته لفحص القرارات والمسؤوليات السياسية والأمنية. في المقابل اقترحت الحكومة آلية بديلة يشارك السياسيون في تشكيلها وتحديد نطاق عملها.
هذا وتكتسب القضية أهمية انتخابية لأنها تتعلق بمسؤولية القيادة السياسية والأمنية عن الإخفاقات التي سبقت أحداث 7 أكتوبر 2023، وما أعقبه من حرب وتداعيات أمنية وسياسية. ويجعل استمرار الخلاف بشأن التحقيق ملف المحاسبة حاضراً في مواجهة نتنياهو مع خصومه، بالتوازي مع قضايا الأمن والخدمة العسكرية والاقتصاد.
اعتقالات تشعل المواجهة
بالتزامن مع احتجاجات تل أبيب، انتقلت أزمة تجنيد "الحريديم" إلى الشارع، اليوم الأحد، بعد دعوات بأغلق عشرات من المتظاهرين المنتمين إلى "فصيل القدس" الطريق السريع رقم 4 قرب تقاطع يفنيه، احتجاجًا على اعتقال طلاب من معهد "أور هحاييم" الديني في ريشون لتسيون، بسبب عدم التزامهم بالتجنيد العسكري.
وتعتبر جماعة "الحريديم" أحد أبرز التيارات الدينية المتشددة في الداخل الإسرائيلي، وهم يتمسكون بتطبيق صارم للتعاليم والتقاليد اليهودية، ويعيش كثير منهم في مجتمعات لها مؤسساتها التعليمية والاجتماعية الخاصة، كما أنهم يعتبرون معفون من الكثير من الالتزامات داخل المجتمع الإسرائيلي من بينه التجنيد العسكري.
الحريديم.. خلاف يهدد تماسك اليمين
هذا ولا تمثل اعتقالات طلاب المعاهد الدينية أزمة منفصلة عن المشهد السياسي. فملف تجنيد الحريديم أصبح أحد أبرز مصادر الخلاف داخل الائتلاف الإسرائيلي، في ظل احتياجات الجيش إلى الجنود والاعتراض على استمرار الإعفاءات الواسعة من الخدمة العسكرية.
إذ تعود جذور الأزمة إلى ترتيبات استمرت لعقود سمحت لقطاعات من الرجال الحريديم بتأجيل الخدمة أو الإعفاء منها بسبب الدراسة الدينية، لكن المحكمة العليا الإسرائيلية قضت في عام 2024 بعدم استمرار الإعفاءات الشاملة من دون أساس قانوني، ما زاد الضغوط على الحكومة لتنظيم تجنيد طلاب المعاهد الدينية.
وتتمسك الجماعات الحريدية المتشددة برفض التجنيد، معتبرة أن الخدمة العسكرية تتعارض مع نمط حياتها الديني، بينما يطالب مؤيدو التجنيد بتوزيع أكثر مساواة لأعباء الخدمة، خصوصاً مع احتياجات الجيش إلى الأفراد. وأدى الخلاف إلى توترات متكررة بين الأحزاب الحريدية والحكومة بشأن التشريعات والإعفاءات والتعامل مع من يرفضون الالتحاق بالجيش، وفقًا لخدمة أبحاث البرلمان الأوروبي.
فيما تكمن حساسية الملف بالنسبة إلى نتنياهو في أن الأحزاب الحريدية تشكل جزءًا مهمًا من معسكره السياسي، في حين يمكن أن يؤدي استمرار الخلاف بشأن الإعفاءات إلى تعقيد التفاهمات داخل الائتلاف. وبذلك، لا تتعلق الأزمة بموقف المتظاهرين وحدهم، بل تمتد إلى قدرة الأحزاب على التوصل إلى تسوية بشأن التجنيد وتوزيع أعباء الخدمة العسكرية.
عنف المستوطنين يفتح جبهة أخرى
إلى جانب الخلافات الداخلية، حضرت الضفة الغربية في احتجاجات السبت، عبر تجمع شعبي طالب بوقف عنف المستوطنين الإسرائيليين ضد الفلسطينيين ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات. ويأتي ذلك في ظل تصاعد الانتقادات بشأن الهجمات خلال موسم قطف الزيتون، وما تثيره من مخاوف على سلامة الفلسطينيين والأجانب الموجودين في المنطقة.
وفي تطور منفصل، هاجم مستوطنون ملثمون أمس دبلوماسيين أوروبيين وممثلين عن الكنيسة خلال زيارة إلى قرية الطيبة في الضفة الغربية المحتلة، بحسب وكالة أسوشيتد برس. وأفادت الوكالة بأن الهجوم شمل دبلوماسيين من بلجيكا وفرنسا وبولندا، فيما أعلنت السلطات الإسرائيلية فتح تحقيق في الواقعة.
المحاسبة والتجنيد
يذكر أنه من المقرر أن تجري الانتخابات الإسرائيلية في ظل منافسة بين معسكر نتنياهو وخصومه، وسط خلافات بشأن تشكيل الحكومة المقبلة ومستقبل التحالفات السياسية. وتضع هذه المنافسة قضايا الأمن والمحاسبة عن أحداث 7 أكتوبر وتجنيد الحريديم ضمن الملفات التي تتداخل فيها المواقف السياسية مع الانقسامات الاجتماعية.
ووفقًا لخدمة أبحاث البرلمان الأوروبي، يواجه نتنياهو ائتلافًا يمينيًا ودينيًا في مواجهة معسكر معارض تقوده شخصيات من بينها رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت. وتشمل الملفات المطروحة أيضًا الإصلاح القضائي، والمحاكمة الجنائية المستمرة لنتنياهو، وارتفاع تكاليف المعيشة والإنفاق الدفاعي.
كما لا تقتصر الضغوط التي تواجه نتنياهو على الاحتجاجات والخلافات داخل ائتلافه، بل تمتد إلى صناديق الاقتراع، حيث لا تمنحه استطلاعات الرأي صورة حاسمة عن قدرته على تشكيل الحكومة المقبلة. ففي استطلاع نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست" في 16 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، تقدم رئيس حزب "يشار" المعارض غادي آيزنكوت على نتنياهو في تفضيلات رئاسة الحكومة، بنسبة 48% مقابل 41% لرئيس الوزراء الحالي، فيما أظهر الاستطلاع نفسه أن غالبية الإسرائيليين تفضل تشكيل حكومة وحدة وطنية إذا لم تسفر الانتخابات عن نتيجة حاسمة، بدلًا من الذهاب إلى انتخابات جديدة.
وبين احتجاجات تطالب بالتغيير ومحاسبة الحكومة، وتحركات ترفض تجنيد طلاب المعاهد الدينية، يدخل المشهد الإسرائيلي أيامه الأخيرة قبل الانتخابات محملًا بخلافات تتجاوز المنافسة بين الأحزاب. ويبقى الاختبار الأهم أمام الحكومة المقبلة هو قدرتها على التعامل مع هذه الملفات، في ظل انقسامات داخلية بشأن الأمن والدين والدولة ومسؤولية القيادة السياسية.