
تجري وكالات الاستخبارات البريطانية تحقيقاً لمعرفة ما إذا كانت معلوماتها السرية أو عملاؤها قد تعرضوا للكشف أو الخطر، وذلك بعد الكشف عن أكبر فضيحة تجسس في تاريخ ألمانيا الحديث، حيث تم اعتقال أحد أبرز مسؤولي الاستخبارات في البلاد بعد الاشتباه بتورطه في العمل ضد مصالح ألمانيا.
وكانت أجهزة الأمن الألمانية ألقت القبض الأسبوع الماضي على الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية الألماني "أغوست هانينغ"، بالإضافة الى مسؤول رفيع المستوى في الجهاز لم يكشف عن اسمه الكامل، وذلك للاشتباه في تورطهما في أعمال تجسس وخيانة.
وقالت التقارير في ألمانيا إن هانينغ يواجه تهمة جمع وثائق سرية بشكل غير قانوني على مدار 16 عاماً بمساعدة المسؤول الآخر ويُدعى "مانفريد د"، حيث قام ببيع بعض تلك الأسرار لقوة أجنبية.
ونقلت جريدة "ديلي تلغراف" البريطانية في تقرير اطلعت عليه "العربية.نت"، عن مصادر أمنية ألمانية قولها إن بعض المعلومات عالية الحساسية التي تعامل معها الرجلان الألمانيان كانت قد وردت من وكالات استخبارات شريكة في الخارج، وهو ما يثير مخاوف من احتمال انكشاف معلومات استخباراتية بريطانية وأميركية.
وتقول الصحيفة البريطانية إن هذه الفضيحة أثارت مخاوف من إمكانية كشف هوية مصادر بشرية أميركية وبريطانية، سواء كانوا عملاء أو مخبرين يعملون في الميدان، وذلك بناءً على المعلومات التي تمت مشاركتها.
وقد أحدثت هذه الفضيحة صدمة في أوساط مجتمع الاستخبارات الغربي؛ إذ وصفت المصادر الاختراق المزعوم بأنه يمثل مكسباً كبيراً لقوة أجنبية، ومن المحتمل أن يلحق ضرراً بالغاً بتحالف تبادل المعلومات الاستخباراتية الغربي.
وتشير "ديلي تلغراف" إلى أن عناصر جهاز الاستخبارات البريطاني (MI6) ومقر الاتصالات الحكومية في لندن (GCHQ)، إلى جانب عدة وكالات أميركية، يعكفون على إجراء مراجعة داخلية شاملة ومنهجية لجميع المعلومات الحساسة التي تمت مشاركتها مع الحلفاء الأوروبيين خلال الفترة المعنية.
وتشير المعلومات التي حصلت عليها صحيفة "التلغراف" إلى أن التركيز الأساسي ينصب على حماية المصادر التي ربما تكون قد تعرضت للخطر جراء التسريب المزعوم. ومن المرجح أن تُجري جميع الدول الشريكة والحليفة لألمانيا - التي تتبادل معها المعلومات الاستخباراتية - عمليات تدقيق ومراجعة مماثلة.
ولم يتضح بعد متى أبلغ المسؤولون الألمان نظراءهم بشأن هذا الاختراق الأمني، رغم أنه يُعتقد أن ذلك تم قبل عمليات الاعتقال التي جرت يوم الثلاثاء الماضي.
وأفادت وسائل إعلام ألمانية بأن المعلومات المسربة تضمنت تفاصيل حول البرنامج النووي الإيراني، والجيش الروسي، ومواد سرية وردت من وكالات استخبارات أجنبية شريكة.
يُذكر أن هانينغ، الذي كان يشغل سابقاً منصب رئيس جهاز الاستخبارات الاتحادية في ألمانيا (BND)، قد غادر منصبه في نوفمبر 2005 بعد ست سنوات من الخدمة، وقد وردت تقارير لاحقاً تفيد بأنه واجه أزمة إفلاس.
أما "مانفريد د."، فقد كان يشغل منصب رئيس مكتب هانينغ في جهاز الاستخبارات الاتحادية، ثم انتقل معه للعمل في وزارة الداخلية. وبعد رحيل هانينغ، شغل مانفريد د. منصب رئيس ديوان لعدة رؤساء لجهاز الاستخبارات الاتحادية (BND) في الفترة ما بين مارس 2012 ومارس من هذا العام.
وفي هذا المنصب، لعب دوراً محورياً في تحديد مسار تدفق المعلومات إلى مكتب الرئيس، حيث كان يحدد أولويات المعلومات الاستخباراتية التي تُعرض على رؤسائه وتوقيت عرضها.
وفي حين تتخذ جميع وكالات الاستخبارات تدابير وقائية ضد التسريبات المحتملة من خلال تقييد مشاركة المعلومات وحصرها في نطاقات محددة، إلا أن "مانفريد د."، وبصفته مسؤولاً رفيع المستوى، كان يتمتع بصلاحيات واسعة تتيح له الاطلاع على كافة المعلومات الاستخباراتية التي تتلقاها وكالة الاستخبارات الاتحادية الألمانية.
2000 وثيقة
وذكر مكتب المدعي العام الاتحادي الألماني أن "مانفريد د." مشتبه به في تزويد هانينغ بـ"ما يقرب من 2000 وثيقة". وأوضح المدعي العام في بيان له أن الرجلين توصلا -على ما يبدو- إلى اتفاق مالي في ربيع عام 2010، يقضي بأن يقوم "مانفريد د." بنقل معلومات استخباراتية قيّمة باستمرار من الوكالة الألمانية إلى رئيسه السابق مقابل الحصول على مقابل مادي.
وأضاف البيان أن العديد من تلك الوثائق "احتوت على معلومات سرية مخصصة للاستخدام الحصري من قبل جهاز الاستخبارات الاتحادي لأغراض داخلية، ولا سيما لإعداد الإيجازات الاستخباراتية التنفيذية".
ووفقاً لمكتب المدعي العام، فقد استخدم السيد "هانينغ" تلك المعلومات في عمله الاستشاري الخاص. وجاء في البيان أيضاً: "في إحدى المرات، استخدم هانينغ معلومات استخباراتية سرية قدمها له مانفريد د. لإعداد تحليل لصالح ضابط في جهاز استخبارات أجنبي".