2026/09/02
وداعاً للصواريخ.. اختراق علمي يقرب حلم أول «مصعد فضائي»

 

 

 

لطالما بدا «المصعد الفضائي» وكأنه فكرة تنتمي إلى أفلام الخيال العلمي، لكن العلماء يرون أن الحلم بات أقرب من أي وقت مضى إلى إمكانية التنفيذ، بعد تطور جديد في مادة الجرافين قد يعالج العقبة الأكبر التي حالت لعقود دون بناء هذا الهيكل العملاق.

 

 

وخلال زيارة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى مركز جونسون للفضاء التابع لوكالة ناسا في هيوستن الأسبوع الماضي، تحدث عن خطط الولايات المتحدة لإقامة وجود دائم على القمر قبل التوجه إلى المريخ، في وقت يبحث فيه العلماء عن وسائل جديدة قد تتجاوز القيود التي تفرضها الصواريخ الكيميائية التقليدية.

 

 

وبحسب تقرير لصحيفة "نيويورك بوست" يقوم مفهوم المصعد الفضائي على إنشاء كابل فائق القوة يمتد من نقطة على سطح الأرض عند خط الاستواء، ويتجاوز المدار الثابت بالنسبة للأرض، وصولًا إلى نقطة بعيدة في الفضاء مزودة بثقل موازن يحافظ على شد الكابل. وعلى هذا الكابل تتحرك مركبات كهربائية، تعرف باسم «المتسلقات»، لنقل البضائع والمعدات، وربما البشر مستقبلًا، من الأرض إلى الفضاء.

 

 

وقال بيت سوان، رئيس اتحاد المصاعد الفضائية الدولي (ISEC)، لصحيفة «نيويورك بوست»، إن الفكرة تمثل انتقالًا من عمليات الإطلاق المتكررة إلى «بنية تحتية دائمة»، شبيهة بجسر يحل محل العبارات في نقل الأشخاص والبضائع عبر النهر.

 

 

وتتمثل المشكلة الأساسية منذ ظهور الفكرة في تصنيع كابل يجمع بين صفات تبدو شبه مستحيلة؛ إذ يجب أن يكون خفيفًا للغاية، وقابلًا للإنتاج على نطاق واسع، وأقوى بنحو 100 مرة من الفولاذ، وقادرًا على تحمل الأحمال الهائلة الناتجة عن امتداده لعشرات الآلاف من الكيلومترات.

 

 

وهنا يأتي الجرافين متعدد البلورات، الذي يراه اتحاد المصاعد الفضائية الدولي أحد أكثر المرشحين الواعدين حتى الآن. والجرافين مادة ثنائية الأبعاد تتكون من طبقة شديدة الرقة من ذرات الكربون، وتتميز بخفة الوزن والقوة والتوصيل الكهربائي، بينما يتيح التصنيع متعدد البلورات إمكانية التعامل معها على نطاق أكبر.

 

 

وقال سوان إن التطورات الأخيرة في مواد الربط دفعت المشروع إلى الأمام بصورة كبيرة خلال الأشهر الماضية، معتبرا أن التطور التكنولوجي لا يسير دائما بخطوات متدرجة، بل قد يشهد قفزات مفاجئة عندما تظهر مادة أو تقنية جديدة تغير حدود الممكن.

 

 

وبحسب الصحيفة فقد تمكن مهندسون في كوريا الجنوبية من تصنيع نموذج من الجرافين متعدد البلورات يبلغ طوله نحو ألف متر وعرضه نصف متر، مع معدل إنتاج يصل إلى قرابة مترين في الدقيقة، وهو تطور مهم بالنسبة إلى فكرة تحتاج في صورتها النهائية إلى كابل هائل الحجم.

 

 

 

 

 

وتصور ISEC أن يبلغ طول كل خيط من خيوط الربط نحو 100 ألف كيلومتر، أي قرابة 62 ألف ميل، بحيث يمتد من «ميناء أرضي» عند خط الاستواء إلى نقطة علوية في الفضاء تتجاوز المدار الثابت بالنسبة للأرض. ويتكون كل «ساق» من المصعد، وفق تصور الاتحاد، من آلاف الطبقات المتراكبة من مادة الربط.

 

 

وعند تشغيل المصعد، ستصعد «المتسلقات» على الكابل باستخدام الطاقة الكهربائية. ويُفترض أن تصل إلى المدار الثابت بالنسبة للأرض، الواقع على ارتفاع نحو 22 ألف ميل فوق سطح الأرض، خلال قرابة أسبوعين.

 

 

بعد تجاوز هذه النقطة، يمكن أن تستفيد المركبات من تأثير دوران الأرض وقوة الطرد المركزي لمواصلة رحلتها على امتداد الجزء المتبقي من الكابل، وصولًا إلى سرعة تقارب 16 ألف ميل في الساعة، وفق حسابات اتحاد المصاعد الفضائية الدولي (ISEC). ويقول الاتحاد إن هذه الآلية قد تتيح في المستقبل إرسال المعدات من الجزء العلوي للمصعد إلى القمر خلال نحو 14 ساعة، بدلًا من الرحلة التي تستغرق حاليًا أيامًا.

 

 

 

 

 

ولا يتوقف الطموح عند القمر، إذ يرى سوان أن الرحلات إلى المريخ يمكن أن تصبح أقصر بكثير، لتتراوح بين 61 و120 يومًا بحسب موقع الكوكب وقت الانطلاق، مقارنة بأسرع الرحلات الحالية التي تستغرق نحو سبعة أشهر، مع اعتمادها على نوافذ إطلاق محدودة.

 

 

لكن الطريق إلى المصعد الفضائي لا يزال طويلًا. فالحطام الفضائي المنتشر في المدار الأرضي المنخفض يمثل خطرًا كبيرًا على الكابل، ما دفع الباحثين إلى التفكير في استخدام عدة حبال في المصعد الواحد لتوفير بدائل احتياطية، إلى جانب إنشاء منطقة عازلة لحماية الهيكل من حركة الأقمار الصناعية.

 

 

كما أن التمويل يمثل تحديًا آخر. ويقدر اتحاد المصاعد الفضائية الدولي تكلفة بناء أول مصعد فضائي آلي بالكامل بنحو 15 مليار دولار، وهي أرقام طموحة للغاية بالنظر إلى ضخامة المشروع وتعقيداته الهندسية.

 

 

وفي حال تحقق المشروع، يتوقع أن تتركز السنوات الأولى على نقل البضائع والمعدات إلى الفضاء، قبل الانتقال تدريجيًا إلى نقل البشر. ويقدر الاتحاد أن المصعد يمكن أن تصل قدرته في نهاية المطاف إلى نحو 30 ألف طن من الشحنات إلى الفضاء سنويًا.

 

 

وقد يعيد هذا النظام، إذا نجح، تشكيل اقتصاد استكشاف الفضاء، من دعم المستوطنات القمرية وإمداد الرحلات إلى المريخ، وصولًا إلى تسهيل مشاريع تعدين الكويكبات.

 

 

 

 

 

وفكرة المصعد الفضائي ليست جديدة؛ فقد جرى تخيلها منذ أكثر من قرن، واكتسبت شهرة واسعة من خلال رواية الكاتب البريطاني آرثر سي. كلارك «نوافير الفردوس» الصادرة عام 1979. وكان كلارك قد توقع بسخرية أن المصعد الفضائي سيُبنى «بعد نحو خمسين عامًا من توقف الجميع عن الضحك».

 

 

 

 

 

ومع التطورات الحالية في علوم المواد، يرى مؤيدو الفكرة أن ذلك اليوم ربما أصبح أقل خيالًا مما كان عليه سابقًا. ومع ذلك، فإن وجود نموذج من الجرافين أو تطور تقنيات التصنيع لا يعني أن بناء كابل بطول عشرات الآلاف من الكيلومترات أصبح وشيكًا؛ فالمشروع لا يزال يواجه تحديات هائلة تتعلق بالقوة، والتصنيع، والحطام الفضائي، والسلامة، والتمويل.

 

 

ورغم ذلك، فإن العقبة التي طالما اعتُبرت أكبر عائق أمام المصعد الفضائي ، مادة الكابل ، قد تشهد الآن تحولًا مهمًا، وهو ما يجعل حلم إنشاء «جسر إلى الفضاء» أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى.

 

 

تم طباعة هذه الخبر من موقع الشبكة العربية للأنباء https://arabnn.news - رابط الخبر: https://arabnn.news/news87609.html