
كثيرون يتعاملون مع التفاعلات اليومية في العمل فيما يشبه "وضع الطيار الآلي"، فيرسلون رسائل بريد إلكتروني أو يشاركون في الاجتماعات دون تفكير عميق في كلماتهم إلا بعد فوات الأوان. هذا السلوك، برأي مدربة القيادات التنفيذية آيكو بيثيا، هو المدخل الأساسي للأخطاء المهنية التي كان يمكن تفاديها بسهولة.
ترى مؤسسة شركة "RARE Coaching & Consulting" ومقرها أتلانتا، أيكو بيثيا، أن الردود السريعة والانفعالية تقود أحياناً إلى قرارات سيئة، أو إلى الموافقة على مهام لا يرغب الشخص أصلاً في تحملها. الحل، كما تقول، يبدأ بتوقف قصير يسبق "الضغط على زر الإرسال" أو التحدث في اجتماع، وطرح ثلاثة أسئلة أساسية على النفس، بحسب ما ذكرته شبكة "CNBC"، واطلعت عليه "العربية Business".
إعادة ضبط قبل أي تفاعل مهني
تنصح بيثيا بأنه قبل الدخول في محادثة حساسة أو إرسال رسالة قد تكون مثيرة للتوتر، من الأفضل التوقف للحظة وطرح الأسئلة التالية:
ما الذي أقدره؟
ما الأثر الذي أريده؟
ما دوري في هذا الموقف؟
هذا التمرين الذهني البسيط، بحسب المدربة الأميركية، يساعد على كسر ردود الفعل التلقائية، ويمنح الشخص قدرة أفضل على تقييم الموقف والتصرف بوعي. ومع الاستمرارية، يصبح اتخاذ القرارات الصعبة أسرع وأكثر اتزاناً.
كما تساعد هذه الأسئلة على تعديل الأسلوب ونبرة الحديث في الوقت الحقيقي، بحيث تعكس الكلمات والسلوكيات القيم الحقيقية للفرد، وهي فكرة تناولتها بيثيا في كتابها "Anchored, Aligned, Accountable" الصادر في 21 أبريل.
قالت بيثيا إن هذه الأسئلة ولدت من تجارب شخصية في العمل والحياة، ومن محاولات متكررة للتعامل مع مواقف محبِطة بطريقة أكثر فائدة. في كتابها، تسرد مواقف عملية، مثل الاضطرار للعمل عبر الهاتف المحمول قبل دقائق من مشاركتها في حفل زفاف شقيقتها، أو الصراعات الداخلية المرتبطة بخوض بيئة العمل كامرأة من ذوي البشرة الملونة.
1- ما الذي أقدره؟
قبل التحدث في اجتماع أو إرسال رسالة، تنصح بيثيا بالتفكير في القيم الشخصية. هذا الوعي، برأيها، يساعد على اتخاذ قرارات منسجمة مع القناعات، ويقلل الوقوع في "لحظات الندم".
فعلى سبيل المثال، إذا كان أحد أهم قيمك هو إنجاز عمل ذي معنى، لكنك تجد نفسك تتحمل باستمرار مهام لا تشعرك بالرضا، ثم يقترح مديرك مشروعاً إضافياً، فإن طرح هذا السؤال قد يمنحك لحظة تفكير قبل قول "نعم" تلقائية. ربما يكون المشروع غير مناسب، أو ربما توجد صيغة بديلة ترضي الطرفين.
الهدف، بحسب بيثيا، هو اتخاذ قرارات بنزاهة أعلى وثقة أكبر بالنفس، وتقليل الحاجة إلى التقدير الخارجي. ورغم أن بيئة العمل لا تسمح دائماً بالرفض الصريح، فإن الوضوح والنية الواعية أفضل من الموافقة المتسرعة.
2- ما الأثر الذي أريده؟
الكلمات تترك أثراً، سواء قيلت وجهاً لوجه أو كتبت في رسالة بريد إلكتروني. لذلك تشدد بيثيا على أهمية التفكير في كيفية تلقي الطرف الآخر لما نقوله.
وأشارت إلى استطلاع أجري في أغسطس 2024 شمل 2000 موظف أميركي، أظهر أن 88% منهم شعروا بالندم فور إرسال رسالة بريد إلكتروني بسبب محتواها أو لغتها.
قد يحدث، مثلاً، أن يتحدث شخص بنبرة حازمة، ثم يدرك لاحقاً أن صوته بدا غاضباً أكثر من اللازم. التوقف المسبق وطرح أسئلة مثل: من أريد أن أكون في هذا الموقف؟ وما النتيجة التي أسعى إليها؟ يساعد على تعديل الرسالة ونبرة الخطاب قبل وقوع الضرر.
3- ما دوري في هذا الموقف؟
لا يمكن – بحسب بيثيا – بناء حوار صادق وحقيقي دون فهم الدور الشخصي في الموقف. هذا الدور قد يعني تحمل المسؤولية، أو الإصغاء الجيد، أو تقبل حقيقة صعبة.
فعلى سبيل المثال، إذا طلب مدير تنفيذي آراء الموظفين في اجتماع، عليه أن يدرك أن بعضهم قد لا يشعر بالراحة الكاملة في التعبير الصريح. هنا يصبح دوره خلق بيئة آمنة نفسياً تشجع على الصراحة. وبالمثل، إذا قدمت بيانات غير دقيقة في اجتماع، فإن الدور الطبيعي في المتابعة هو الاعتراف بالخطأ وتقديم حلول.
وترى بيثيا أن طرح هذا السؤال يعكس تواضعاً ووعياً ذاتياً، ويمنح فرصة حقيقية لإصلاح الأخطاء عند الحاجة، مؤكدة أن القدرة على التساؤل حول الدور الشخصي تعني رؤية الذات بشكل شامل داخل أي موقف مهني.
في بيئة عمل تتسارع فيها الإيقاعات ويكثر فيها الضغط، قد تكون هذه الأسئلة الثلاثة البسيطة كفيلة بصناعة فارق حقيقي بين قرار متزن وخطأ مكلف.