2026/04/02
بعد انتهاء مهمة "أونمها".. دعوات لفتح جبهة الحديدة من جديد

 

منذ توقيع اتفاق ستوكهولم بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي أواخر عام 2018، لم تعد مدينة الحديدة الساحلية مجرد ساحة قتال مؤجلة، بل تحولت إلى عقدة سياسية وعسكرية تختزل تناقضات الحرب اليمنية وتعقيداتها الإقليمية.

 

الاتفاق الذي أوقف حينها تقدم الجيش اليمني بإسناد من تحالف دعم الشرعية عند مشارف المدينة ومينائها الاستراتيجي، قُدّم بوصفه ضرورة إنسانية جنبت مئات الآلاف ويلات المعارك، لكنه، وفق قراءة واسعة بين المراقبين، أعاد رسم ميزان القوى أكثر مما أوقف الحرب.

 

اليوم، ومع انتهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة "أونمها" بنهاية مارس (آذار) 2026، وعودة التهديدات الحوثية للملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، تعود التساؤلات بقوة: هل نشهد نهاية مرحلة "تجميد الحديدة" وبداية معركة استعادتها؟

 

سقوط آخر مظلات التهدئة

رسمياً، أعلنت الأمم المتحدة، الثلاثاء الماضي، إنهاء عمليات بعثتها لدعم اتفاق الحديدة "أونمها"، ونقل مهامها المتبقية إلى مكتب مبعوثها الخاص هانس غروندبرغ، وذلك بعد أكثر من سبع سنوات على إنشائها بموجب اتفاق ستوكهولم عام 2018.

 

وجاء قرار إنهاء مهمة البعثة الأممية في الحديدة ليعكس واقعاً جديداً، عنوانه تآكل مسارات التهدئة وفشل الجهود الدولية في تثبيت اتفاق ستوكهولم على الأرض. فالبعثة التي كان من المفترض أن تعمل على الإشراف على وقف إطلاق النار، وانسحاب جميع القوات العسكرية من موانئ الحديدة الثلاثة والمدينة، وتسليمها لقوات الأمن المحلية، اقتصر دورها طوال الفترة الماضية على حضور شكلي، في ظل قيود حوثية على تنقلات فرقها ومنعها من القيام بأي أنشطة متعلقة بمهام البعثة الأساسية، خاصة ما يتعلق بإنهاء عسكرة موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى.

 

وبمغادرة البعثة، يفقد الساحل الغربي إحدى أهم أدوات الضبط الدولية، ما يفتح الباب أمام عودة المواجهات العسكرية، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد المخاوف من استخدام الحديدة كمنصة لتهديد الملاحة الدولية.

 

ومع مرور الشهر الأول من المواجهة الإقليمية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أعلنت جماعة الحوثي انخراطها المباشر في الصراع عبر إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، في خطوة تعكس عمق ارتباطها بالمحور الإيراني.

 

ويرى مراقبون أن هذا الانخراط قد يسرع من إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف العمليات العسكرية، خصوصاً في الساحل الغربي اليمني، باعتباره أحد أهم مفاتيح الضغط على الحوثيين.

 

الحديدة.. من ورقة تفاوض إلى تهديد عالمي

تحولت مدينة وميناء الحديدة، خلال السنوات الماضية، من ورقة تفاوض سياسية إلى نقطة تهديد حقيقية للملاحة الدولية، مع تصاعد الهجمات الحوثية على السفن في البحر الأحمر وخليج عدن. وتزايدت المخاوف مؤخراً من احتمال إقدام الجماعة على إغلاق مضيق باب المندب، في سيناريو يعكس امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز.

 

ويرى عدد من الخبراء أن انتهاء مهمة "أونمها"، بالتزامن مع التصعيد الإقليمي، يفتح الباب أمام عودة خيار الحسم العسكري.

 

واعتبر "المجلس الأعلى للتكتل الوطني للأحزاب والمكونات السياسية اليمنية" انتهاء مهمة "أونمها" يشكّل "محطة مفصلية في مسار الحرب اليمنية، وفرصة حقيقية لاستعادة زمام المبادرة الوطنية وتعزيز السيادة اليمنية في إدارة ملف الحديدة وموانئها الحيوية، بعد سنوات من فشل البعثة في تثبيت السلام ومنع الخروقات الحوثية المتواصلة وتفاقم المعاناة الإنسانية".

 

وأكدت الأحزاب اليمنية في بيان أن تمركز جماعة الحوثي بالقرب من مضيق باب المندب وتهديداتها المتواصلة لحرية الملاحة الدولية لا يمثل خطراً على اليمن وحده، بل يمس الأمن الإقليمي للمنطقة برمتها.

 

ودعت "قيادة الدولة اليمنية إلى استثمار هذا التحول فوراً لإعادة ترتيب الأوضاع في الحديدة بما يضمن عودتها كاملة إلى حاضنة الشرعية الوطنية، وتعزيز الحضور المؤسسي للدولة هناك بما يخدم القضاء على الانقلاب الحوثي ويصون وحدة اليمن وأمنه واستقراره".

 

من جهته، يؤكد الباحث اليمني عدنان الجبرني أن "جميع الاحتمالات باتت مفتوحة"، مشيراً إلى أن انخراط الحوثيين في صراع إقليمي سيجلب عليهم ضغوطاً مضاعفة داخلياً وخارجياً.

 

من جانبه، يرى الباحث مروان نعمان أن "الأوان قد حان لتحرير الحديدة"، خاصة في ظل الدعوات لتشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر. ويؤكد أن التطورات الأخيرة تجعل من استعادة المدينة ضرورة استراتيجية وليس مجرد خيار عسكري.

 

بدوره، يعتبر الكاتب همدان العليي أن "انتهاء اتفاق ستوكهولم يمثل فرصة حقيقية لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة"، مؤكداً أن أي عملية عسكرية هناك ستسهم في تأمين باب المندب والحد من الهجمات الحوثية.

 

على الصعيد العسكري، تشير تقديرات إلى أن الساحل الغربي قد يتحول قريباً إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

 

وفي المحصلة، تقف الحديدة اليوم عند مفترق طرق حاسم. فبين انهيار الترتيبات السابقة، وتصاعد التهديدات للملاحة الدولية، واتساع رقعة الصراع الإقليمي، لم تعد المدينة مجرد جبهة من جبهات الحرب اليمنية، بل تحولت إلى نقطة تقاطع لمصالح متداخلة تتجاوز حدود البلاد.

 

وأي قرار بشأنها - سواء بالتصعيد أو الإبقاء على الوضع القائم – لن يكون مجرد خطوة عسكرية بل تحولاً استراتيجياً قد يعيد رسم ملامح المرحلة المقبلة في اليمن، وربما في الإقليم بأسره.

تم طباعة هذه الخبر من موقع الشبكة العربية للأنباء https://arabnn.news - رابط الخبر: https://arabnn.news/news82265.html