
"خططت إيران بشكل مسبق للاعتداءات الآثمة، فهذا السلوك ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد لسجل تاريخي قائم على نهج الابتزاز" بهذا الجزء من التصريح الشهير للأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، انتقدت الرياض النهج الإيراني عقب نقضها مضامين اتفاق بكين باستهداف المملكة ودول الخليج التي في الأصل ليست طرفاً في معادلة الصراع القائم، غير أن إصرار إيران على انتهاك مبادئ حسن الجوار، وإنتاج الفوضى أدى إلى تآكل الثقة بها إقليمياً ودولياً، وفقاً للمسؤول السعودي.
وبعد نحو مضي شهر على اندلاع الحملة الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، يواصل النظام الإيراني موجات هجماته العدائية ضد الخليج وفي مقدمته السعودية، فيما تحافظ الرياض أمام "الابتزاز الإيراني" على منطق ضبط النفس، وتفضيل الحلول الدبلوماسية، وتكريس الاستقرار مقابل خيارات التصعيد والانجرار إلى حرب، وتكثيف إجراءات الطوارئ مع دول المجلس.
ورغم تشديد السعودية على حقها الكامل باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لحماية أمنها بما في ذلك خيار الرد على العدوان، آثرت عدم الانخراط في الرد على "ابتزاز إيران" بجر دول الإقليم إلى حرب ليست طرفاً فيها من أجل توسيع رقعة الصراع، بحسب باحثين.
وأمام دعوات الرياض بأهمية مراجعة طهران لحساباتها الخاطئة، إلا أن الأخيرة واصلت هجماتها ضد عاصمة البلاد والشرقية وينبع، في إصرار إيراني على تكثيف التوتر، ونقض التعهدات، كل هذه التطورات حملتنا لطرح تساؤل بشأن كيف واجهت السعودية سياسة الابتزاز الإيراني؟
السعودية: عدم القبول دون تصعيد
في سياق متصل، يفرض الابتزاز الإيراني معادلة: القبول بالتهديد أو الانزلاق إلى الحرب، هكذا يفسر يوسف الديني الباحث السياسي السعودي سلوك إيران بتصعيدها الأخير مشيراً إلى أن السعودية كسرت هذه الثنائية عبر مسار ثالث يتجسد بـ "عدم القبول دون التصعيد"، إذ حافظت على استقرارها الداخلي، واستمرت مشاريعها الاقتصادية الكبرى، وقدّمت نفسها كمركز جذب إقليمي للطيران والتجارة والطاقة حتى في ذروة التصعيد، ما أفقد إيران أحد أهم أدواتها: التأثير النفسي والاقتصادي.
رفع كلفة سلوك إيران
يذهب الديني وهو مستشار فكري سعودي بتفصيل أوسع لـ "العربية.نت" موضحاً أن السعودية لم تكتفِ بالدفاع السلبي إزاء اعتداءات إيران بل أعادت تشكيل مفهوم الردع ذاته: "من ردع عقابي مباشر إلى ردع تراكمي طويل الأمد، يقوم على رفع كلفة السلوك الإيراني سياسياً، واقتصادياً، وإقليمياً".
كيف قرأت السعودية واقع ابتزاز إيران؟
إلى ذلك، لم تتعامل السعودية مع الابتزاز الإيراني بوصفه أزمة عابرة، بل كجزء من سلوك استراتيجي يتكرر منذ قيام الجمهورية الإسلامية، إذ توظف القوة غير المتكافئة (الصواريخ، الوكلاء، والحروب الرمادية) لرفع كلفة الاستقرار على الخصوم دون الانزلاق إلى حرب شاملة، بحسب يوسف الديني.
الردع المرن
في إطار التفسير الشمولي لواقع الاعتداءات الإيرانية، فإن السعودية اختارت مساراً مركباً يجمع بين ما يمكن تسميته في أدبيات العلاقات الدولية بـ"الردع المرن" و"الصبر الاستراتيجي"، وفقاً لقراءة الباحث يوسف الديني قائلاً: لم تستجب الرياض وفق منطق "الأمننة الفورية" الذي يدفع الدول إلى ردود فعل عسكرية مباشرة، بل تبنّت مقاربة أقرب إلى "الاحتواء النشط"، إذ تمتص الضربات، وتعزز القدرات الدفاعية، وتعيد هندسة البيئة الاستراتيجية دون منح الخصم ما يسعى إليه: حرب مفتوحة تُعيد تعريف قواعد الاشتباك لصالحه.
دفاعات السعودية: تأهب وردع
وأحبطت في اليومين الماضيين الدفاعات السعودية أكثر من 5 صواريخ باليستية باتجاه الرياض والشرقية، فضلاً عن هجمات بمسيرات استهدفت المناطق ذاتها، في حين واصلت السعودية إجراءات التنسيق الدفاعي مع بريطانيا واليونان، بجانب تعزيز التشاور الدولي لوقف الاعتداءات الإيرانية.
إيران.. نقض مضامين اتفاق بكين
في مارس المنصرم، لم يكمل عمر اتفاق بكين الذي وقعته السعودية – إيران، عامه الرابع، في حين نقضت مضامينه طهران سريعاً عبر المساس بأمن المملكة التي أكدت التزامها بالاتفاق ببنوده كافة، لتفقد بذلك إيران فرصة تاريخية بعلاقاتها مع الرياض لتخفيف عزلتها وحجم العقوبات التي تئن تحت وطأتها وفقاً لآراء مراقبين.
يضع الدكتور خالد الهباس، الباحث السياسي السعودي عدة نقاط تعزز فهم النهج الإيراني الذي يتصف تجاه دول الجوار بطابع عدواني، كما يرى، إذ سعت طهران إلى توسيع نفوذها في المنطقة دون اعتبار لأسس حسن الجوار أو مبادئ القانون الدولي، ولا مقتضيات الاستقرار الإقليمي.
توسيع رقعة الحرب
وتابع الهباس، المسؤول العربي السابق في جامعة الدول العربية، لافتاً إلى أن سعي طهران نحو توسيع النفوذ بدا يتضح أكثر مع بدء الحملة الأميركية الإسرائيلية ضدها إذ سعت حينها إلى تدويل الصراع، وتوسيع رقعة الحرب، وزيادة التكلفة الاقتصادية في المنطقة.
إدراك خليجي متزايد لخطورة نظام إيران
في سياق متصل، يعزو الدكتور خالد الهباس تلك النقاط إلى رغبة إيران في "خلط الأوراق والتأثير على بعض دول المجتمع الدولي، بما في ذلك دول الخليج العربية للضغط على أميركا من أجل وقف الحرب"، ويدلل على ذلك كثافة "الاستهداف العدواني" الذي طال الخليج إذ يُقدر بخمسة أضعاف الاستهداف الموجه إلى إسرائيل"، كما يرى.
وقال أيضاً في حديث خاص لـ"العربية.نت" إن السعودية ودول الخليج تدرك تفاصيل السلوك الإيراني لذا سعت بالتنسيق المشترك إلى تفويت الفرصة على إيران في سياق تدويل الصراع.
الاتزان والحكمة مفتاحان لفهم دبلوماسية الرياض
باستفاضة أوسع في نقاش النهج الإيراني، يشير إلى أن سياسة الرياض تتصف بالاتزان والحكمة السياسية التي عرفت عن المملكة ما جعلها تتفادى الانزلاق في أتون الحرب الدائرة.
4 ركائز خليجية أمام اعتداءات إيران
بتفسير أكثر، قدم الهباس 4 ركائز استندت عليها دول الخليج في خضم الحرب الدائرة إذ تركزت بالاعتماد على القدرات الدفاعية المتطورة التي تملكها المملكة ودول المجلس، والتنسيق المشترك عسكرياً وأمنياً وسياسياً، بجانب تفعيل بعض البلدان الخليجية لاتفاقية الدفاع المشترك مع بعض القوى الدولية الصديقة لها، رابعاً العمل الدبلوماسي المحكم في الإطار الخليجي والعربي الإسلامي، وكذلك الدولي.
وذكر أن "الدبلوماسية السعودية فاعلة في خلق التضامن الإقليمي والدولي الكبير مع الدول الخليجية لإدانة العدوان الإيراني وتحميل طهران مسؤولية أفعالها"، مبيناً أن صدور قرار مجلس الأمن رقم ٢٨١٧ يعد مؤشراً عملياً إزاء ما وصفه بـ"نجاح الدبلوماسية السعودية والخليجية" في عزل إيران وتبيان عدوانها.
في الإطار ذاته، أكد خالد الهباس، الباحث السياسي السعودي على أن دبلوماسية الرياض تواصل سعيها الحثيث من أجل اتخاذ الضمانات اللازمة لعدم تكرار العدوان الإيراني على الدول الخليجية، بجانب مراعاة موقف الدول الخليجية، ونهجها الشامل بالتعامل مع إيران أمام أي شروط لتسوية الحرب، سعياً للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.
في المحصلة، تشدد السعودية على أهمية مراجعة إيران لحساباتها الخاطئة، "فالاستمرار في الاعتداء على دول المنطقة لن يحقق لها أية مكاسب، وسيفضي إلى نتائج عكسية تفاقم معاناتها وتكلفها ثمناً سياسياً عالياً وتزيد من عزلتها"، وفقاً للأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي.
وتستمر السعودية بالتشاور والتنسيق المكثف بين دول المنطقة بما يكفل متابعة التطورات، وتقييم المستجدات، وبلورة المواقف المشتركة، واتخاذ ما يلزم من تدابير وإجراءات مشروعة لحماية أمن واستقرار الدول، وأن يكون منطلقا لتحرك إقليمي ودولي واسع.