2026/02/08
كيف تساهم الإمارات في بناء الدبلوماسية العربية دولياً؟

 

 

قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة جهداً دبلوماسياً متميزاً، في وساطات متعددة في دول تشهد نزاعات معقدة، وأخطرها الحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا منذ فبراير 2022 حيث نجحت الإمارات في مبادرات عديدة لتخفيف حدة الصراع، خاصة بالنسبة لتبادل الأسرى بين البلدين، وصولاً إلى استضافة جولتين من المحادثات البناء بين أمريكا وروسيا وأوكرانيا في أبوظبي منذ مطلع العام 2026.

وقبلها تككلت جهود دولة الإمارات بنجاح في استضافة محادثات أسفرت عن إنهاء التوترات بين إثيوبيا وأريتريا عام 2018، والوساطة الناجحة بين أرمينيا وأذربيجان عام 2025، فضلاً عن وساطة لتبادل أسرى بين الولايات المتحدة وروسيا في ديسمبر 2022، والآلية الرباعية الدولية في السودان وهي مجموعة دولية–إقليمية تُعنى بتنسيق الجهود لإنهاء الحرب في السودان ودعم عملية سياسية تؤدي إلى تسوية شاملة وحكومة مدنية.

من حقائق الدور الإماراتي على الصعيد الدولي، أنه لا يأتي بتكليف، إنما بالمكانة والرصيد الدبلوماسي في العلاقات المتوازنة دولياً. فقائمة النزاعات بين الدول ذات الباع في حل الأزمات، باتت عميقة، ولم تعد دولة من الدول المشاركة في تأسيس الأمم المتحدة عام 1945 إلا وهي مثقلة بالتوترات، وطرف في محور إما يخوض حرباً أو يفرض عقوبات اقتصادية. وشكلت هذه البيئة السياسية المجال أمام نمو نوع جديد من الدبلوماسية في العلاقات الدولية، وتتبناه الإمارات، وهو البناء على الحياد الدبلوماسي، وهو مفهوم مختلف عن فلسفة دول عدم الانحياز، التي حاولت النأي بنفسها عن الصراع الكبير بين حلف شمال الأطلسي والاتحاد السوفييتي خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فالحياد الدبلوماسي يعني الانخراط الإيجابي والنشط في العلاقات مع أطراف النزاعات، بهدف التأثير في مسار الأزمة وتحريكها نحو المجال السياسي والحوار والمفاوضات. وبذلك فإن المكانة الدولية للإمارات تبرز في تهدئة الصراعات الدولية، وهي مكانة نالتها الدولة بشكل طبيعي، بالدور والتأثير، وليس بالتكليف.

منذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أغلقت كافة المسارات الدبلوماسية، ولم تكن البيانات الصادرة عن الأطراف المعنية تتحدث سوى عن التسليح والدعم المالي لاستمرار الحرب. تم إغلاق الباب مبكراً أمام الدبلوماسية، وركن الجميع إلى الحرب لحسم نتيجة الدبلوماسية عبر الأسلحة. لكن ثغرة صغيرة بقيت في جدار الحرب، وهو حاجة الطرفين إلى قناة اتصال من أجل الأسرى. فحجم الجبهة الكبير ونطاق المواجهات وانخراط الجنود، وهم مئات الآلاف من الطرفين، كل هذا أسفر عن وقوع عدد كبير من الجنود في الأسر، وكانت حاجة الطرفين ملحة من أجل عمليات التبادل. ما هي الدول المؤهلة لأداء هذا الدور؟

الإجابة هي في الإرث الدبلوماسي للدول، وليس مجرد مواقف آنية غير متحيزة لأي من أطراف الصراع. لذلك كانت دولة الإمارات من أوائل الدول وأكثرها فاعلية في عمليات تبادل الأسرى في الحرب، وفي الوقت نفسه الإمارات من أكثر الدول في الإيجابية مع الطرفين خارج المسائل العسكرية، وقد فتحت أبواب مبادراتها لأوكرانيا وروسيا، إنسانياً وسياسياً، ولم تقم بأي مساهمة عسكرية طيلة سنوات الحرب. وبذلك أصبحت الإمارات ساحة لقاء طبيعية، ومساحة حوار لأعقد النزاعات الدولية في العالم حالياً، وأصبحت - برؤيتها السياسية بقيادة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، المكان الذي تتلاقى فيه القوى العظمى الدولية دوناً عن الأماكن الشهيرة بأداء هذا الدور الدبلوماسي في جمع الفرقاء، من جنيف إلى لندن ونيويورك.

ينعكس الدور الدبلوماسي للإمارات إيجاباً على المنطقة العربية والشرق الوسط، وليس فقط رصيداً محلياً. فمنذ سنوات طويلة لم تكن المنطقة العربية سوى ساحة للنزاعات التي تنقل حواراتها إلى خارج المنطقة، في مشهد يعكس غياب الدور العربي دولياً وإقليمياً، وهي فترة طال أمدها، وبلغ ذروته في حروب ما سمي بـ"الربيع العربي" التي أمعنت في تدمير المنطقة وأطلقت حروباً مدمرة للمجتمعات والدول. ومع بروز أدوار عربية فاعلة في الوساطة بين الدول، وانتقال التفاوض بشأن النزاعات إلى المنطقة العربية، يتم إعادة بناء الدبلوماسية الإقليمية بمساهمة إماراتية فاعلة في عالم يمر فيه النظام الدولي القائم على القواعد الناظمة للعلاقات وفق مبادئ الأمم المتحدة، بمرحلة حرجة، واضطراب في التوازن، بشكل غير مسبوق منذ انهيار الثنائية الدولية بسقوط الاتحاد السوفييتي رسمياً عام 1991 وصعود الأحادية القطبية الأمريكية.

يترافق الصعود الدبلوماسي للإمارات مع نهضة تكنولوجية ومواكبة لثورة الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت الإمارات المركز الواعد للثورة التكنولوجية إقليمياً، وتضم أكبر عدد من الشركات الناشئة في هذا المجال، كما تنافس شركات إماراتية في بناء مراكز بيانات كبرى عالمياً، فضلاً عن تأهيل كوارد وطنية والاستفادة من أندر الخبرات العالمية. فالقوة، بهذا المعنى، ليست جيوشاً تحمل أسلحة فقط، إنما نهضة متوازية في كافة القطاعات، من أصغر منشأة إلى أكبر شركة. كل هذا يضاف إلى الرصيد الدبلوماسي لدولة الإمارات، وإلى دور دولي مسنود ليس فقط بالحياد السياسي الإيجابي، إنما بعوامل القوة الأحدث في عالم سريع التغير.

تم طباعة هذه الخبر من موقع الشبكة العربية للأنباء https://arabnn.news - رابط الخبر: https://arabnn.news/news80613.html