تمضي وزارة الدفاع بخطى متسارعة نحو بناء قوة بحرية حديثة تمتلك أحدث المنظومات القتالية، وترتكز على الكفاءة العملياتية والتقنيات المتقدمة والكوادر الوطنية المؤهلة، وذلك في إطار برنامج تطوير وزارة الدفاع، الذي انطلق برؤية ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، واعتمد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، القائد الأعلى للقوات العسكرية، وثيقته في 26 فبراير 2018.
واشتملت وثيقة تطوير وزارة الدفاع على رؤية وإستراتيجية جديدتين، ونموذج تشغيلي مستهدف، وهيكل تنظيمي، ومنظومة للحوكمة، ومتطلبات للموارد البشرية، بهدف تحسين كفاءة الإنفاق، وتحديث المعدات والأسلحة، وتحقيق التفوق والتميز العملياتي المشترك، ودعم توطين التصنيع العسكري، وتطوير الأداء الفردي ورفع المعنويات.
ويأتي تطوير القوات البحرية الملكية السعودية ضمن أبرز مسارات برنامج تطوير وزارة الدفاع، انطلاقاً من أهمية المجال البحري للمملكة، وما يفرضه من مسؤوليات تتعلق بحماية سواحلها الممتدة على البحر الأحمر والخليج العربي، وتأمين الممرات البحرية الحيوية، وصون المصالح الوطنية والأصول الإستراتيجية، والإسهام في حفظ الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.
ركيزتان لرفع الجاهزية العملياتية
تعمل القوات البحرية على تطوير منظوماتها القتالية، ورفع جاهزيتها العملياتية، وتنمية قدراتها البشرية والتقنية، من خلال تنفيذ مشروعات إستراتيجية نوعية تمثل ركائز أساسية في مسيرة تحديث القوة البحرية، ويبرز من بينها مشروعا "السروات" و"طويق".
ويمثل المشروعان تحولاً نوعياً في تطوير القدرات البحرية، عبر تحديث المنظومات القتالية، ونقل التقنية، وتوطين الصناعات العسكرية، وبناء الكفاءات الوطنية، وتطوير البنية التحتية البحرية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية مستدامة، وتعزيز الجاهزية العملياتية للقوات المسلحة.
"السروات".. تحول نوعي في تطوير القدرات البحرية
يجسّد مشروع "السروات" توجه وزارة الدفاع نحو تطوير القوات البحرية، من خلال بناء منظومة بحرية متكاملة ترتكز على امتلاك سفن قتالية متعددة المهام، ونقل التقنية والمعرفة، وتعزيز الجاهزية العملياتية، وتوطين الصناعات العسكرية.
ويستهدف المشروع تصنيع ثماني سفن قتالية حديثة من طراز "كورفيت أفانتي 2200"، مزودة بأحدث الأنظمة القتالية، إلى جانب توفير منظومة متكاملة للدعم اللوجستي والإسناد الفني والإمداد اللاحق طويل الأجل، ومرافق الصيانة، ومشبهات التدريب، وبرامج التأهيل.
ويتكون المشروع من مرحلتين. شملت المرحلة الأولى بناء وتصنيع خمس سفن قتالية، حملت أسماء "جلالة الملك الجبيل"، و"جلالة الملك الدرعية"، و"جلالة الملك حائل"، و"جلالة الملك جازان"، و"جلالة الملك عنيزة". كما تضمنت تدريب الأطقم على تشغيل السفن، وصيانة أنظمة القتال والمنصات الرئيسة، والتطبيق العملي باستخدام المحاكيات المتقدمة، والتدريب العملياتي في البحر، إلى جانب تجهيز معامل الاختبارات الأرضية، وتوفير معدات الصيانة والخدمات اللوجستية والإمداد اللاحق طويل الأجل، بما يضمن جاهزية السفن واستدامة كفاءتها التشغيلية.
أما المرحلة الثانية، فشملت بناء وتصنيع سفن "جلالة الملك المدينة"، و"جلالة الملك نيوم"، و"جلالة الملك العلا"، إلى جانب حزمة دعم لوجستي متكاملة تتضمن تدريب أطقم السفن، وتنفيذ خطة تدريب شاملة لأكثر من 100 مهندس سعودي، وتوطين بناء السفن البحرية الجديدة، وتكامل الأنظمة القتالية، وتنفيذ أعمال الصيانة، بما يعزز المحتوى المحلي، ويسهم في تأهيل كوادر وطنية متخصصة وبناء قاعدة صناعية بحرية دفاعية مستدامة.
وتتميز سفن المشروع بمنظومات قتالية متطورة للتعامل مع التهديدات الجوية والسطحية وتحت السطحية، إلى جانب أنظمة حرب إلكترونية متقدمة لمراقبة المجال البحري، بما يدعم حماية المصالح الإستراتيجية للمملكة، وتأمين الممرات البحرية الحيوية، وتعزيز الأمن البحري على المستويين الإقليمي والدولي.
توطين الصناعات العسكرية وبناء القدرات الوطنية
أسهمت المرحلة الأولى من مشروع "السروات" في تأسيس منظومة وطنية متكاملة للصناعات البحرية العسكرية، من خلال نقل المعرفة، وتطوير الخبرات الوطنية، وإشراك الكفاءات السعودية في مختلف مراحل المشروع.
وفي محطة بارزة ضمن المرحلة الأولى، شهد وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز، في قاعدة الملك فيصل البحرية بالأسطول الغربي في جدة، يوم 4 ديسمبر 2023، حفل تدشين سفينة "جلالة الملك جازان"، رابع سفن المشروع، وأول سفينة تُستكمل أعمال بناء منظوماتها وتُنفذ اختبارات القبول الخاصة بها على الأراضي والمياه السعودية.
ومن أبرز مخرجات مشروع "السروات" تطوير نظام إدارة المعركة البحرية "حزم"، ليكون أول نظام سعودي لإدارة القتال البحري، في خطوة تعكس تطور القدرات الوطنية في مجال الأنظمة القتالية البحرية، وتعزز الاستقلالية التقنية في الصناعات الدفاعية السعودية.
تكامل وطني لتطوير الصناعات والمنظومات العسكرية
يُعدّ مشروع "السروات" نموذجاً للتكامل بين الجهات الوطنية في تطوير الصناعات والمنظومات العسكرية؛ إذ أسهمت الهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI)، بصفتها الجهة المنظمة والمشرّعة لقطاع الصناعات العسكرية، في دعم المشروع من خلال اتفاقية المشاركة الصناعية المبرمة مع شركة "نافانتيا" الإسبانية.
وتضمنت الاتفاقية مستهدفات نوعية لتوطين التقنيات، وبناء القدرات الوطنية، ونقل المعرفة، بما يعزز المحتوى المحلي، ويدعم مستهدفات توطين الإنفاق العسكري، ويسهم في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030.
ويأتي المشروع ثمرة شراكة إستراتيجية بين الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI) وشركة "نافانتيا" الإسبانية، في إطار الجهود الرامية إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية وطنية قادرة على دعم متطلبات القوات المسلحة خلال العقود المقبلة.
"طويق".. تطوير نوعي يعزز جاهزية القوات البحرية
يسير مشروع "طويق" بالتوازي مع مسيرة تطوير القوات البحرية، ضمن رؤية تستهدف بناء قوة بحرية حديثة تعتمد على أحدث التقنيات العسكرية، وترتكز على رفع الكفاءة العملياتية، وتطوير القدرات البشرية، وتعزيز الجاهزية لحماية المصالح الإستراتيجية للمملكة.
ويشمل المشروع بناء أربع سفن قتالية متعددة المهام من طراز (MMSC)، هي "سفينة جلالة الملك سعود"، و"سفينة جلالة الملك فهد"، و"سفينة جلالة الملك عبدالله"، و"سفينة جلالة الملك سلمان"، إلى جانب تطوير قاعدة الملك عبدالعزيز البحرية في الجبيل، وإنشاء مرافق متقدمة للصيانة والتدريب، وتوفير منظومة متكاملة للدعم اللوجستي والإسناد الفني، وتأهيل أطقم السفن وتدريبها، وتوفير مشبهات التدريب.
شراكة سعودية أمريكية لتوطين الصناعات العسكرية البحرية
يعكس مشروع "طويق" عمق الشراكة الدفاعية والتقنية بين المملكة والولايات المتحدة الأمريكية، من خلال التعاون مع شركتي "لوكهيد مارتن" و"فينكانتيري"، إلى جانب التعاون مع الهيئة العامة للصناعات العسكرية، لدعم توطين الصناعات العسكرية البحرية، ونقل المعرفة، وتعزيز القدرات الوطنية في مجالات التصنيع البحري.
ويسهم المشروع في تأهيل الكفاءات الوطنية، وتنمية المحتوى المحلي، وإيجاد فرص عمل نوعية، وبناء خبرات متخصصة في الصناعات البحرية العسكرية.
ويؤكد مشروعا "السروات" و"طويق" أن تطوير القوات البحرية يمضي وفق رؤية إستراتيجية شاملة تجمع بين توطين الصناعات العسكرية، وامتلاك المنظومات القتالية الحديثة، وتعزيز الشراكات الدولية، وبناء القدرات الوطنية، وتطوير البنية التحتية البحرية.
وتواصل وزارة الدفاع جهودها لبناء قوة بحرية متقدمة تتمتع بالجاهزية والكفاءة والاستدامة، وتواكب مستهدفات رؤية السعودية 2030 في ترسيخ صناعة دفاعية وطنية قادرة على دعم الأمن الوطني وحماية المصالح الإستراتيجية للمملكة.