الشبكة العربية للأنباء
الرئيسية - أخبار العالم - حين تتكلم الهدايا... لغة صامتة بين زعماء العالم

حين تتكلم الهدايا... لغة صامتة بين زعماء العالم

الساعة 12:20 صباحاً

تحتل الهدايا الدبلوماسية مكانة خاصة في العلاقات بين الدول، إذ تتجاوز وظيفتها الشكلية لتتحول إلى أدوات سياسية ورمزية تعكس حسابات دقيقة للمصالح والصورة الذهنية بين الأمم. ومن تمثال الحرية الذي أهدته فرنسا للشعب الأميركي إلى دببة الباندا الصينية التي أصبحت رمزاً لما يُعرف بدبلوماسية الحيوانات، تكشف قصص هذه الهدايا عن فن معقد يمزج بين الصداقة الظاهرة والمصلحة السياسية الكامنة خلفها.

ويُعد حصان طروادة في الأساطير القديمة أحد أقدم الأمثلة على توظيف الهدايا لأغراض سياسية وعسكرية، وهو ما يتتبعه الدبلوماسي البريطاني بول بروميل في كتابه الصادر عام 2022 بعنوان الهدايا الدبلوماسية تاريخ في 50 هدية، والذي يستعرض كيف استُخدمت هذه الهدايا كأدوات سياسية ودعائية منذ العصور القديمة وحتى اليوم.

باتت الهدايا في الوقت الحاضر أكثر تواضعاً مقارنة بما كانت عليه في التاريخ، حين كانت تمس جوهر تفكير الملوك العظام الذين لم يكونوا يتوانون عن تقديم الأفخم والأكثر إبهاراً، بحسب صحيفة الغارديان.

إرث تمثال الحرية

يعد تمثال الحرية، المعروف أصلاً باسم الحرية تنير العالم، أحد أبرز الهدايا السياسية في التاريخ الحديث، إذ صُنع في فرنسا وأُهدي للشعب الأميركي في أواخر القرن التاسع عشر احتفالاً بالذكرى المئوية لإعلان الاستقلال الأميركي. وحملت الهدية أيضاً دلالة سياسية مقصودة، تذكيراً بالدور الفرنسي في مساندة الولايات المتحدة أثناء تحررها من الحكم البريطاني.

صورة لتمثال الحرية مطلع العقد الثاني من القرن العشرين

صورة لتمثال الحرية مطلع العقد الثاني من القرن العشرين

وتوضح الروايات التاريخية أن فكرة الهدية نشأت خلال عشاء في قصر فرساي عام 1865، حين اقترح السياسي الليبرالي إدوار لابولاي أن يشكل الاحتفاء بالحرية الأميركية وسيلة ضغط على الحاكم الفرنسي نابليون الثالث لدفعه نحو إصلاحات سياسية داخلية.

وتبنى النحات فريدريك أوغست بارتولدي الفكرة، بعدما كان قد اقترح في شبابه تصميماً مشابهاً لمنارة على هيئة امرأة مصرية عند مدخل قناة السويس، قبل أن ترفضه مصر وقتها لتكلفته الباهظة.

وتوقف مشروع التمثال لسنوات بسبب الأوضاع السياسية في فرنسا، قبل أن يُستأنف وينتهي بنقل التمثال مفككاً عبر البحر إلى نيويورك. ويقيم متحف أورساي الباريسي حالياً معرضاً يستمر حتى نهاية يناير من عام 2027، يضم قرابة 100 عمل لبارتولدي، إلى جانب تجربة افتراضية تُظهر مراحل تصميم التمثال وبنائه.

دبلوماسية الباندا الصينية

تبرز دببة الباندا كأحد أنجح نماذج الهدايا الدبلوماسية في العصر الحديث، إذ أهدت الصين الولايات المتحدة دبين عقب زيارة الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون لبكين عام 1972، في خطوة أرست ما بات يُعرف لاحقاً بمصطلح دبلوماسية الباندا. وقد اجتذب وصول الحيوانين إلى حديقة حيوان سميثسونيان الوطنية أكثر من مليون زائر خلال الشهر الأول فقط، وهو ما ساهم في تحسين نظرة الرأي العام الأميركي تجاه الصين آنذاك، مقابل إرسال واشنطن ثورين من ثيران المسك إلى بكين.

وكرر الرئيس الصيني شي جين بينغ هذا التقليد مؤخراً أثناء زيارته للولايات المتحدة ولقائه الرئيس ترامب، بإرسال دبين وصفهما بأنهما سفيرا صداقة إلى إحدى حدائق الحيوان الأميركية، في حين قدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب هدية مقابلة تمثلت في منحوتة لنسر أصلع يرمز إلى الولايات المتحدة.

دبلوماسية الباندا (تعبيرية)

دبلوماسية الباندا (تعبيرية)

ويضم معرض الصداقة الدولية في كوريا الشمالية مئات الهدايا التي قدمها زعماء العالم للزعيمين الراحلين كيم إيل سونغ وكيم جونغ إيل، من بينها سيارة مصفحة أهداها الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين، وكرة سلة موقعة من نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان أهدتها وزيرة الخارجية الأميركية الأسبق مادلين أولبرايت، في مجموعة يراها مراقبون وسيلة لإقناع الكوريين الشماليين بأن قادتهم يحظون بدعم دولي واسع.

هدايا سياسية ناجحة

يشير دبلوماسيون سابقون إلى أن الهدايا الملكية غالباً ما تحمل طابعاً أكثر نجاحاً من غيرها لارتباطها بمعنى شخصي وتاريخي. ويستشهد الدبلوماسي البريطاني السابق بيتر ريكيتس بهدية قدمها الملك تشارلز الثالث للرئيس الأميركي دونالد ترامب، تمثلت في جرس نحاسي أصلي من غواصة بريطانية تعود للحرب العالمية الثانية، واصفاً إياها بأنها لاقت إعجاباً كبيراً لطابعها الشخصي والتاريخي.

كما يذكر هدية الملكة إليزابيث الثانية للرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان عام 1976، والمتمثلة في جرو من فصيلة لابرادور، والتي حظيت باهتمام خاص من الرئيس الفرنسي حينها.

هدايا دبلوماسية محرجة

ولم تسلم الهدايا الدبلوماسية من إخفاقات محرجة، كالزر الرمزي الذي قدمته وزيرة الخارجية الأميركية الأسبق هيلاري كلينتون لروسيا للإشارة إلى تحسين العلاقات الثنائية، والذي حمل بسبب خطأ في الترجمة كلمة تعني الشحن الزائد بدلاً من إعادة الضبط.

كما لقي جمل أُهدي للرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا هولاند خلال زيارته لمالي مصيراً مأساوياً، بعدما ذُبح وطُهي على شكل طاجين رغم وعد السلطات المالية باستبداله بجمل أفضل.

دعوة عشاء ترامب وشي في البيت الأبيض (رويترز)

دعوة عشاء ترامب وشي في البيت الأبيض (رويترز)

هدايا ذات أثر مستمر

وتبقى بعض الهدايا ذات أثر مستمر حتى اليوم، كأشجار الكرز اليابانية التي أهدتها طوكيو لواشنطن وما زالت تزهر سنوياً، وشجرة عيد الميلاد التي ترسلها أوسلو إلى لندن كل عام تقديراً لاستضافتها الحكومة النرويجية المنفية خلال الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى بصيلات زهور التوليب التي تهديها هولندا لكندا امتناناً لإيواء أوتاوا العائلة المالكة الهولندية في الحرب ذاتها.