الشبكة العربية للأنباء
الرئيسية - تكنولوجيا و صحة - قد تشاهد نفسك في بث مباشر دون أن تدري.. احذر الـAI يمكنه فعلها

قد تشاهد نفسك في بث مباشر دون أن تدري.. احذر الـAI يمكنه فعلها

الساعة 01:59 مساءً

 

في الماضي القريب، كان المجرم الإلكتروني يختبئ خلف شاشات سوداء وأكواد برمجية معقدة ورسائل مجهولة المصدر، أما اليوم فقد تبدل المشهد كلياً، إذ بات بإمكانه الظهور أمامك مباشرة بوجه مديرك في العمل، أو نبرة صوت ابنك، أو هيئة مسؤول حكومي رفيع في مكالمة فيديو حية تبدو حقيقية تماماً.

 

لكن الصدمة تكمن في أن كل ما تراه وتسمعه ليس سوى "وهم رقمي" صاغته خوارزميات الذكاء الاصطناعي خلال أجزاء من الثانية وهو ما يعرف تقنياً بـ"التزييف العميق في الوقت الفعلي"، والذي بات يمثل السلاح الأحدث والأخطر لاختراق الثقة البشرية.

 

ويوضح الدكتور محمد محسن رمضان، رئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات لـ"العربية.نت" و"الحدث.نت"، أن هذه التقنية تجاوزت مرحلة الخدع الترفيهية لتتحول إلى أداة شديدة الفتك في عمليات الاحتيال، الهندسة الاجتماعية، وتهديد الأمن الرقمي العالمي.

 

 

"التزييف اللحظي"

وأضاف أن مكمن الخطورة هنا أن التزييف التقليدي كان يتطلب ساعات طويلة من المعالجة المسبقة، بينما يعتمد التزييف اللحظي على تغيير الوجوه والأصوات بشكل فوري أثناء البث المباشر وبدرجة إقناع تخدع أعتى المحترفين.

 

ويقول الدكتور رمضان إن هذه التقنية تستهدف الحلقة الأضعف في المنظومة الأمنية وهي الثقة البشرية، فالإنسان مبرمج غريزياً على تصديق ما يراه ويسمعه في اللحظة الحالية، لكن الذكاء الاصطناعي نزع مصداقية البث المباشر وجعله قابلاً للتزوير.

 

لكن كيف تصنع الخدعة في لحظات؟

 

يجيب رمضان ويقول إن هذه العملية تدار عبر منظومة فائقة التعقيد والسرعة لتقليل زمن التأخير، وتمر بمرحلتين رئيسيتين.

 

الأولى التتبع اللحظي للوجه حيث تقوم الكاميرا بتحليل ملامح الضحية، وحركة العين، وتعبيرات الفم بدقة متناهية وفورية، والثاني هو الشبكات التوليدية التنافسية حيث تتدخل هذه الشبكات لتوليد وجه الشخصية المستهدفة وتركيبه فوق الوجه الحقيقي مع الحفاظ على التعبيرات الطبيعية.

 

منجم ذهب للاحتيال المالي

وقال إن الأمر لا يتوقف عند الصورة، بل يمتد إلى استنساخ الصوت اللحظي، حيث يتم تعديل النبرة، وسرعة الكلام، وطريقة النطق لتتطابق تماماً مع حركة الشفاه، مما يحرم الضحية من فرصة التشكيك أو المراجعة.

 

وقال رمضان إنه رغم أن كبرى الشركات طورت هذه الأدوات لأغراض سينمائية وتطوير البث المباشر، فإن الجماعات الإجرامية المنظمة والهاكرز سرعان ما حولوها إلى منجم ذهب للاحتيال المالي.

 

وكشف أن العالم شهد بالفعل قضايا صادمة أدت إلى خسائر مالية فادحة، ففي إحدى القضايا الشهيرة تلقى موظف مالي في شركة دولية مكالمة فيديو حية من "المدير التنفيذي" يأمره بتحويل مالي عاجل لإتمام صفقة سرية.

 

وأوضح أنه وبسبب تطابق الصوت، والصورة، ولغة الجسد، نفذ الموظف الأمر فوراً، ليتبين لاحقاً أن المدير الحقيقي لم يكن على علم بالواقعة، مضيفاً أن هذا الأسلوب يعرف بـ"الهندسة الاجتماعية المدعومة بالذكاء الاصطناعي"، حيث لم يعد الاختراق يستهدف الثغرات البرمجية في الخوادم، بل يستهدف العقل البشري مباشرة.

 

 

سباق تسلح تكنولوجي محتدم

من منظور أمني وقانوني، يرى اللواء خالد الشاذلي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، أن الخطر الأكبر لهذه التقنية يكمن في قدرتها على تجاوز أنظمة التحقق البيومتري لبصمة الوجه والصوت التي تعتمد عليها المصارف، والمنصات الحكومية، والتطبيقات الذكية.

 

وأضاف لـ" العربية.نت" و" الحدث.نت" أنه إذا تمكن المهاجم من محاكاة الهوية البيومترية للمستخدم لحظياً، يصبح بإمكانه فتح حسابات، وتزوير مستندات، واختراق بيانات حساسة بهوية مزيفة لكنها تبدو شرعية تماماً، مشيراً إلى أن هذا الأمر يفرض على المؤسسات الأمنية والمالية ضرورة إعادة صياغة مفاهيم التحقق الرقمي، حيث لم يعد كافياً الاعتماد على الوسائل المرئية أو الصوتية وحدها كدليل قطعي على الهوية.

ويوضح اللواء الشاذلي أن هناك سباق تسلح تكنولوجي محتدم بين أدوات التزييف والأنظمة الدفاعية، حيث تعتمد أدوات الكشف الحديثة على رصد المؤشرات البيولوجية والسلوكية التي يعجز الذكاء الاصطناعي عن محاكاتها بدقة، مشيراً إلى أن من أبرزها تحليل حركة العين والرمش، فيما ترصد الأنظمة النبضات العصبية وحركة بؤبؤ العين، وهي تفاصيل تفشل الخوارزميات اللحظية في ضبطها بدقة بشرية.

 

إشارات يصعب تزويرها

وكشف أن هناك تقنية كاشف الزيف وهي تقنية متطورة تقوم بتحليل التغيرات الطفيفة في لون البشرة الناتجة عن تدفق الدم داخل الأوعية الدموية للوجه، وهي إشارات يصعب تزويرها.

 

كما إن هناك الاختبارات السلوكية المفاجئة مثل طلب تحريك اليد فجأة أمام الوجه، أو الالتفات السريع، مما يؤدي إلى حدوث تشوه مؤقت أو تأخير في "القناع الرقمي" يكشف الخدعة.

 

ولمواجهة هذا الوباء الرقمي القادم، يقترح المسؤول الأمني المصري أن حزمة من الإجراءات الوقائية الصارمة لا بد أن تشمل حظر الأوامر الأحادية، منع تنفيذ أي تحويلات مالية أو قرارات إستراتيجية بناءً على مكالمات الفيديو فقط، والتحقق متعدد العوامل وهي عدم الاكتفاء بالبصمة البيومترية، وإدراج طبقات تحقق برمجية ونصية أخرى.

 

ويطالب المسؤول الأمني بوضع بروتوكولات بشرية مشفرة مثل اعتماد "كلمات سر لفظية" أو رموز سرية متفق عليها داخلياً بين المسؤولين للحالات الطارئة، وضرورة قيام البنوك والمؤسسات السيادية بالاستثمار بكثافة في برمجيات رصد التزييف العميق اللحظي.