تعرض الذهب والفضة لأكبر موجة هبوط لهما منذ سنوات، في انعكاس حاد لمسار صعودي قوي كان قد دفع الأسعار إلى مستويات قياسية تاريخية. وانخفض الذهب بأكثر من 10% ليهبط دون مستوى 4700 دولار للأونصة ليسجل أسوأ أداء يومي منذ 1983، متجاوزًا أكبر التراجعات اليومية المسجلة خلال الأزمة المالية العالمية في 2008.
وبحلول الساعة 21:32 بتوقيت الرياض، هبط الذهب في المعاملات الفورية 12% إلى 4,726.37 دولار للأونصة. في المقابل، هوَت أسعار الفضة بأكثر من 32%، في أكبر هبوط يومي داخل الجلسة على الإطلاق، مع امتداد موجة البيع إلى مختلف أسواق المعادن. كما تراجع النحاس بنسبة 3.4% في لندن، مبتعدًا عن أعلى مستوى قياسي سجله يوم الخميس، وفقا لتقرير نشرته وكالة "بلومبرغ" واطلعت عليه "العربية Business".
وخلال العام الماضي، أدت موجة طلب قوية من المستثمرين على المعادن النفيسة إلى تحطيم رقم قياسي تلو الآخر، ما فاجأ حتى المتعاملين المخضرمين ودفع مستويات التذبذب السعري إلى حدود غير مسبوقة. وتسارعت هذه الوتيرة في يناير، مع اندفاع المستثمرين نحو الملاذات التقليدية وسط مخاوف من تآكل قيمة العملات، واستقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وتصاعد الحروب التجارية، والتوترات الجيوسياسية.
ورغم أن الذهب والفضة لا يزالان يتجهان لتحقيق مكاسب شهرية قوية، فإن موجة البيع يوم الجمعة شكّلت أعنف صدمة لهذا الصعود منذ تراجع مشابه في أكتوبر الماضي. وقد جاء الهبوط بعد تعافي الدولار الأميركي، عقب تقرير أفاد بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب كانت تستعد لترشيح كيفن وورش لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما تم تأكيده لاحقًا. وقد أضعف صعود الدولار معنويات المستثمرين الذين كانوا يتجهون بقوة إلى المعادن، بعدما أشار الرئيس سابقًا إلى استعداده للسماح بضعف العملة الأميركية.
تحرك الذهب يجسد القاعدة التحذيرية للصعود السريع
وقال حمد حسين، من "كابيتال إيكونوميكس"، إن أنباء اختيار وارش رئيساً للبنك المركزي الأميركي، والذي يُنظر إليه على أنه خيار أكثر ميلاً لتشديد السياسة النقدية من المرشحين الآخرين، وضعت ضغطاً هبوطياً على أسعار المعادن الثمينة.
وتعافى الدولار من أدنى مستوياته في 4 سنوات، ويزيد ارتفاع الدولار من تكلفة الذهب، المسعر بالعملة الأميركية، بالنسبة لحائزي العملات الأخرى.
وقال كريستوفر وونغ، استراتيجي الأسواق في بنك أوفرسي-تشاينيز، إن تحرك الذهب "يجسد القاعدة التحذيرية للصعود السريع يعقبه هبوط سريع". وأضاف أن التقارير المتعلقة بترشيح وارش كانت بمثابة الشرارة، إلا أن التصحيح كان مستحقًا منذ فترة. وتابع: "إنها واحدة من تلك الذرائع التي تنتظرها الأسواق لفك التحركات الصعودية شبه العمودية".
وفي مقطع مصور، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه يعتزم ترشيح كيفن وارش ليكون الرئيس المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي.
عقود خيارات الشراء
وكانت المعادن النفيسة مهيأة بالفعل لتحركات عنيفة، مع ارتفاع الأسعار والتقلبات بما ضغط على نماذج إدارة المخاطر والميزانيات لدى المتداولين. كما شهدت الأسواق موجة قياسية من شراء عقود خيارات الشراء (Call Options)، وهي عقود تمنح حاملها الحق في الشراء بسعر محدد مسبقًا. وأشارت مجموعة غولدمان ساكس في مذكرة إلى أن هذه العقود "تعزز ميكانيكيًا الزخم الصعودي للأسعار"، إذ يقوم بائعو الخيارات بالتحوط من ارتفاع الأسعار عبر شراء المزيد من العقود أو الأصول الأساسية.
وقد يكون هبوط الذهب تسارع بفعل ما يُعرف ب"ضغط غاما" (Gamma Squeeze)، وهي حالة يضطر فيها المتعاملون الذين لديهم مراكز بيع في عقود الخيارات إلى شراء المزيد من العقود الآجلة -أو الأسهم في حالة صناديق الذهب المتداولة في البورصة- عندما ترتفع الأسعار فوق مستويات تحتوي على مراكز خيارات كبيرة، ثم البيع عند عودة الأسعار للانخفاض، بهدف الحفاظ على توازن محافظهم. وبالنسبة لصندوق SPDR Gold Shares ETF، كانت هناك مراكز كبيرة تنتهي صلاحيتها يوم الجمعة عند مستويات 465 و455 دولارًا، بينما وُجدت على بورصة كومكس عقود خيارات كبيرة لشهري مارس وأبريل عند مستويات 5,300 و5,200 و5,100 دولار للأونصة.
اهتمام بعقود خيارات صناديق الذهب المتداولة
كما انعكست موجة الهبوط في المعادن على أسهم شركات التعدين الكبرى، بما في ذلك أكبر منتجي الذهب مثل Newmont Corp وBarrick Mining Corp وAgnico Eagle Mines Ltd، حيث تراجعت أسهمها بأكثر من 8% خلال تداولات نيويورك.
ورغم هذا التراجع، لا يزال الذهب والفضة مرتفعان منذ بداية يناير.