
يعتقد البعض أن الجنيه يدخل في نوبات غضب لا يعود بعدها أبداً، لكن الوضع كان مختلفاً هذه المرة. بالتأكيد لم تستعد العملة المصرية كل خسائرها منذ بداية الحرب، إلا أن سرعة الارتداد تتطابق إلى حد بعيد مع سرعة الارتفاع، في إشارة إلى اختلاف جوهري.
تراجع الجنيه بنحو 15% أمام الدولار مع تصاعد وتيرة الحرب وتبعاتها، لتسجل العملة المصرية أدنى مستوياته تاريخياً أمام الدولار عند 54.7 جنيه، لكن مع تصريحات متلاحقة لجولة مفاوضات جديدة ورسائل تشير إلى عدم رغبة أطراف الحرب بالاستمرار ومحاولات دولية لاحتوائها بعد تأثيراتها الممتدة على الاقتصاد العالمي، استطاع الجنيه تحقيق قفزة كبيرة أمام الدولار. بينما يظل التساؤل قائماً، لماذا حدث هذا التذبذب العنيف؟
تحتفظ مصر بحجم ديون متوسط إلى مرتفع يمثل أكثر بقليل من 81% من الناتج المحلي الإجمالي (مستهدف خفضه إلى 78% بحلول يونيو 2027)، نسبة الخطر فيه ليست الحجم أو حصته من الناتج أو حتى حجم ما يعرف بالأموال الساخنة. مكامن الضغط هي متوسط عمر الدين والعائد الحقيقي الذي يقدمه (الفارق بين العائد الأسمي والتضخم) – والذي كان لا يزال كبيراً جداً مقارنة بالعديد من الأسواق الناشئة عالمياً.
رهان جامح
تشير الصورة، إلى أنه مع اشتعال الأحداث في المنطقة (كان صباح يوم سبت عند توجيه الضربات على إيران، ما يعني الأسواق مغلقة حول العالم، والأحد أيضاً كان إجازة في الأسواق الغربية بينما السوق المصرية تعمل) توقعت بعض البنوك حجم الطلبات التي ستواجهها صبيحة يوم الاثنين على الدولار، لتبدأ في شرارة ارتفاع العملة الأميركية أمام الجنيه، ومع تطور الأحداث ارتفع سعر صرف الدولار أمام الجنيه من مستوى 46 جنيه تقريباً إلى 54 أو أكثر في الأيام التالية. بشكل جانبي وفر تراجع سعر الصرف مع تخارج أموال ساخنة بنحو 8 مليارات دولار ما يزيد عن 1.2 مليار دولار، وفقاً لحسابات "العربية Business" (8 مليارات مضروبة في 14% في المتوسط).
لكن مع المسار الهبوطي للتوترات وعودة قوية للأموال الساخنة، فإن سباقاً محموماً بين المستثمرين يشتعل، ليس لجاذبية العوائد الحقيقية في السوق المصرية فقط، ولكن لمكاسب سعر الصرف التي يمكن تحقيقها على الأجل القصير، عبر الدخول بسعر صرف مرتفع للدولار 54.4 جنيه مع توقعات بالعودة لمستويات ما قبل الحرب – حتى إن لم يعد الجنيه لمساره الصاعد – فيما تشير عقود التأمين على أدوات الدين الحكومية CDS إلى أن الرهان قد يكون مضمون المكسب.
وللتوضيح إذا قرر مستثمر أجنبي ضخ مليون دولار في أذون الخزانة المصرية، فيمكنه تحويلها إلى 54.4 مليون جنيه، ومع مكاسب سعر الصرف وصولاً لمستوى 50 جنيه للدولار، فإن قيمة الاستثمار بالدولار ترتفع إلى 1.09 مليون دولار من دون احتساب عائد الأذون في فترة قصيرة جداً، ما يفسر كثيراً من التسابق على أدوات الدين المصرية.
ارتفع سعر صرف الجنيه بنهاية تعاملات أمس الثلاثاء إلى 52.37 جنيه للدولار، بينما هبطت تكلفة التأمين على الديون المصرية إلى 334 نقطة. الأرقام قد تشهد المزيد من التحسن بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب في لقاء مع "فوكس نيوز" بأن "الحرب انتهت"!.