تعتزم القوات الأميركية التي تقود التحالف الدولي ضد المتشددين الانسحاب بشكل تام من سوريا في غضون شهر، وفق ما أكد مصدر حكومي وآخر كردي وثالث دبلوماسي الإثنين، تزامناً مع بدء إخلائها قاعدة في شمال شرق البلاد.
ويأتي إخلاء واشنطن تباعاً لقواعدها العسكرية بعد تقدم القوات الحكومية إلى مناطق واسعة كانت تحت سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية"، التي وافقت بعدما حظيت بدعم أميركي لسنوات، على دمج قواتها ومؤسساتها في إطار الدولة السورية.
ونشرت الولايات المتحدة جنوداً في سوريا والعراق في إطار التحالف الدولي لمكافحة تنظيم "داعش" الذي شكّلته عام 2014، بعد سيطرة التنظيم على مساحات شاسعة في البلدين حتى دحره منهما تباعاً بحلول عام 2019.
وقال المصدر الحكومي السوري، متحفظاً على ذكر اسمه: "في غضون شهر، سينسحبون من سوريا ولن يبقى لهم أي تواجد عسكري ضمن قواعد في الميدان".
وأفاد المصدر الكردي من جهته بأن "قوات التحالف الدولي ستنهي خلال فترة تمتد من ثلاثة إلى خمسة أسابيع وجودها الذي دام نحو 12 عاماً في شمال وشرق سوريا".
ورجّح المصدر الدبلوماسي في سوريا، من دون ذكر هويته، أن "يُنجز الانسحاب خلال مهلة 30يوماً"، مؤكداً بدوره أن واشنطن لن تبقي أي قواعد عسكرية في سوريا.
وكانت وسائل إعلام أميركية أفادت الأسبوع الماضي أن الولايات المتحدة تخطط لسحب قواتها البالغ عددها نحو ألف جندي من سوريا خلال الشهرين المقبلين.
وعلى طريق دولي يربط محافظة الحسكة، المعقل الأخير للقوات الكردية، بكردستان العراق، عشرات الشاحنات الثقيلة محملة بمدرعات وغرف مسبقة الصنع برفقة آليات أميركية وطيران مروحي.
وقال المصدر الكردي المتابع للتحركات الأميركية: "هناك عملية سحب لآليات ومعدات عسكرية ولوجستية من قسرك، قاعدة قوات التحالف الدولي المركزية، باتجاه العراق".
وأوضح أنه "خلال الأيام المقبلة، ستنقل دفعات متتالية من قوافل المعدات العسكرية واللوجستية وأنظمة الرادارات والصواريخ، من القاعدتين المتبقيتين في شمال وشرق سوريا"، في إشارة إلى "قسرك" وقاعدة "خراب الجير" الواقعة في ريف رميلان في محافظة الحسكة أيضاً.
وستنقل قوات التحالف غالبية جنودها جواً، على أن يرافق جزء من القوات البرية القوافل المغادرة نحو العراق، وفق المصدر ذاته.
خلال الأسبوعين الماضيين، انسحبت الولايات المتحدة تباعاً من قاعدة "التنف" الواقعة عند مثلث الحدود مع الأردن والعراق، وقاعدة أخرى على أطراف بلدة "الشدادي" (شمال شرق) التي كانت تضم سجناً احتجزت فيه القوات الكردية عناصر من التنظيم المتطرف، قبل أن تتقدم القوات الحكومية إلى المنطقة الشهر الماضي.
واستخدم التحالف القاعدتين لقتال "داعش " ، وشن ضربات جوية دامية ضده خلال السنوات الماضية.
وتعلن الولايات المتحدة مراراً عن ضربات تستهدف مواقع للتنظيم في سوريا، بينما تنفّذ السلطات السورية بين الحين والآخر عمليات أمنية ضد خلايا تابعة له.
"يستند قرار الانسحاب الأميركي الشامل من سوريا والمقرر إنجازه خلال 30 يوماً إلى 5 دوافع استراتيجية؛ يبرز في مقدمتها التحول الجذري في بوصلة السياسة الخارجية لواشنطن، التي انتقلت من حليف للقوى المحلية إلى داعم رئيسي للسلطات السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع.
ويأتي هذا التحرك انعكاساً لرغبة أميركية جادة في إسناد جهود الشرع الرامية لتوحيد البلاد تحت سلطة مركزية واحدة، وتفكيك بؤر الانقسام السابقة، و بعد سنوات من دعم القوات الكردية، وقد توج هذا التحول بإعلان سوريا أواخر عام 2025 انضمامها الرسمي إلى التحالف الدولي بقيادة واشنطن، مما جعل الوجود العسكري المستقل خارج إطار الدولة أمراً غير مبرر.
فى حين يرتبط السبب الثاني لهذا القرار بالإنسحاب بالواقع الميداني الجديد؛ إذ إن موافقة قوات سوريا الديمقراطية على الاندماج الكامل ضمن مؤسسات الدولة السورية أنهى الحاجة لوجود أميركي كطرف حامٍ لهذا المكون.
وقد تُرجم ذلك عملياً من خلال انسحاب الولايات المتحدة من قاعدة "التنف" الاستراتيجية وقاعدة أخرى ببلدة "الشدادي" التي ضمت سجناً لعناصر التنظيم، فور تقدم القوات الحكومية لتلك المناطق الشهر الماضي، مما مهد الطريق لإنهاء وجود عسكري دام نحو 12 عاماً.
"ويتمثل السبب الثالث في نجاح واشنطن في اتخاذ خطوات حاسمة لإنهاء ملفات تنظيم «داعش» العالقة ميدانياً، وهو ما تجلى بوضوح خلال الشهر الحالي عبر تنفيذ عملية لوجستية كبرى لنقل أكثر من 5700 سجين من المشتبه بانتمائهم للتنظيم براً إلى الأراضي العراقية.
هذا الإجراء يعكس قناعة أميركية بأن المهمة الأمنية التي استوجبت وجوداً برياً قد استُكملت، مما يمهد الطريق لإغلاق هذا الملف المعقد بشكل نهائي."
وفي الوقت نفسه، جرى إفراغ "مخيم الهول" من قاطنيه تقريباً، حيث غادر العدد الأكبر منهم في ظروف غامضة، بينما نُقل المتبقون لمخيمات تحت سيطرة السلطات في حلب، مما قلص الأعباء اللوجستية والأمنية التي كانت تستوجب وجوداً برياً.
و تتبنى واشنطن حالياً استراتيجية "التدخل من الخارج"؛ وهو السبب الرابع ضمن خطة انسحاب القوات الأمريكية من سوريا ، إذ أكد مصدر دبلوماسي أن الولايات المتحدة قادرة على "التدخل جواً في سوريا" انطلاقاً من قواعدها العسكرية المجاورة في المنطقة.
هذا التوجه يضمن استمرار ضرب خلايا التنظيم النائمة، خاصة بعد تسجيل صوتي نُسب للمتحدث باسم التنظيم السبت الماضي يحض فيه عناصره على قتال الحكومة، دون الحاجة للمخاطرة بجنود في قواعد برية ثابتة ومعزولة.
"وأخيراً، يأتي قرار الرحيل مدفوعاً بحسابات أمنية معقدة في ظل تصاعد حدة التوتر مع إيران، حيث فضلت واشنطن سحب جنودها من القواعد المكشوفة في سوريا لتجنب تحولهم إلى 'أهداف سهلة' أو رهائن ميدانية في حال اندلاع مواجهة إقليمية شاملة.
ومع إرسال حاملتي طائرات أميركية للمنطقة وتهديد طهران باستهداف المواقع العسكرية، بدأت واشنطن فعلياً بتفريغ بنك الأهداف المحتملة عبر سحب المعدات الثقيلة، والأنظمة الصاروخية، والرادارات المتطورة من قاعدتي 'قسرك' و'خراب الجير' وتأمين نقلها نحو العراق.".